فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 446

عبده على هانوتوه [1] , يقرأه أوّلًا لنفسه, وإذا رآه مما يدخل في معاني الرّسالة الّتي آمن بها يحرص على أن يعيد قراءته مع طالب آخر يختاره من زملائه [2] .

وكبر السّيّد محب الدّين وقد امتلأت نفسه بأفكار الإصلاح ونبذ الاستبداد, والفخر بماضي العرب المجيد. وكان من أهمّ المفكّرين الّذين تأثّر بهم السّيّد محب الدّين الشّيخ طاهر الجزائري, كما رأينا سابقًا, فقد التزم بحلقته الّتي كان يعقدها في دمشق. والشّيخ طاهر كان"يرى أنّ الدّولة العثمانيّة موشكة على الإنهيار, فيدعو العرب إلى التّأهّب بالعلم والأخلاق والتّجدد والتّحفّز, لنيل استقلالهم وصون بلادهم من أن تبتلعها حيتان الاستعمار, حتّى تقوّضت دعائمها, وتداعت عليها الأمم لاكتسابها واقتسام بلادها" [3] .

وراح يبثّ هذه الأفكار بين طلّابه ومريديه, وكان إخلاصه وثقافته العالية قد جعلا كلّ من يميل إلى الثّقافة والعلم والتّحرر يتقرّب منه وينهل من علمه. ولم يكن الشّيخ طاهر يفرّق بين أحد من هؤلاء, لا بسبب الدّين ولا المذهب ولا غير ذلك, مما جعل له شهرة كبيرة في الشّام. وكان السّيّد محب الدّين من أشدّ المعجبين به, وكان صلة الوصل بين حلقة هذا الشّيخ الجليل, وبين أصدقائه من الشّباب الصّغار الّذين شبّوا على هذه الأفكار. فالشّيخ طاهر, في رأيه, كان يفهم الإسلام بعقليّة التّابعين والأئمة الأوّلين, ويعرف تاريخ المسلمين المدنيّ والعلميّ عصرًا عصرًا, وكان يعرف مواطن الدّاء في الدّولة العثمانيّة, وفي الأمّة الّتي أوقعها سوء الحظ تحت سلطانها,

(1) ـ هانوتوه 1853/ 1944, كان عضوًا في المجمع اللّغوي الفرنسي, ووزيرًا مؤرخًا من الطّبقة الأولى, وقد كتب مقالًا عن الإسلام والمسألة الإسلاميّة ترجمتها جريدة المؤيّد, وأتى بمقارنة بين المدنيّة النّصرانيّة والمدنيّة الإسلاميّة, وفيها طعن بالإسلام وعقائده, وقد قام الإمام محمّد عبده بالرّد عليه في ست مقالات بيّن فيها فضل الإسلام ومكانته, وجُمعت هذه المقالات في كتاب الإسلام والنّصرانيّة؛ انظر, العقيقي, نجيب, المستشرقون, 1, 270؛ والكومي, سامي عبد العزيز, الصّحافة الإسلاميّة في مصر في القرن التّاسع عشر, 54.

(2) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 12.

(3) ـ قلعجي, قدري, السّابقون, بيروت, دار العلم للملايين, 1954, 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت