ثمّ انتقل السّيّد محب الدّين إلى مرحلة القناعة بوجوب الإنفصال عن الدّولة العثمانيّة, والسبب في ذلك هو جور الإتحاديّين الّذي دفع به وبغيره من مفكّري تلك الأيام للعمل على الانفصال, لأنّهم لم يعودوا يرون أنّ هناك مجالًا لإصلاح هؤلاء الإتحاديّين المستبدّين, الّذين لا يراعون الشّعوب الّتي كانت تخضع لسلطتهم. وهكذا حصلت الثّورة, حتّى أن الشّيخ طاهر"لم يبتهج بشيء مثل ابتهاجه بالثّورة العربيّة" [1] . وقد انتقل هذا الإبتهاج إلى طلّابه والمؤمنين بأفكاره, وكان منهم السّيّد محب الدّين الّذي يقول:"من المسلّم به أنّ لكلّ أمّة حقّها في الحياة, والنّاطقون بالضّاد من أجدر الأمم بأن يجدّدوا شباب حياتهم الاجتماعيّة, لأنّ في ذلك إحياء للحضارة الإسلاميّة, ونهوض للشّرق الإسلاميّ كلّه, وكان العرب العثمانيون يحسبون أنّ في الإمكان تحقيق مطلبهم في التّقدّم والنّهوض مع بقائهم عثمانيين, ولكنّ الإتحاديّين كانوا يسيئون الظّن في كلّ حركة حيويّة يبديها العرب أو الأرنؤوط أو الكرد أو الشّركس أو غيرهم فيصمونها بالخيانة, ويقمعونها بالقوّة والإرهاب" [2] .
ويمكن أن نؤكّد أنّ السّيّد محب الدّين لم يكن يكره العثمانيين كحكّام, بقدر ما كان يكره منهم سوء إدارتهم, واحتقارهم للعرب, فيقول:"إنّ العرب كرهوا سوء الإدارة زمن الحكومات التّركيّة المختلفة, إلى أن قضى اللّه بالانفصال فأهل اليمن والحجاز وكلّ بقعة من جزيرة العرب كان فيهما للتّرك سلطان, إنّما كانوا يكرهون الظّلم والرّشوة والعدوان والخراب والجهل, ولم يكونوا يكرهون التّرك" [3] . لذلك فقد كانت مطالبه الأولى بالإصلاح, والإصلاح فقط, ولم يفكّر لا هو ولا غيره من المفكّرين والدّاعين للإصلاح بغير ذلك. واجتمعت الظّروف, فكان من سوء حظّ القوميّة العربيّة, كما يقول السّيّد محب الدّين"أنّ الحوادث الطّائشة جعلت تسابق الخطوات الحكيمة"
(1) ـ قلعجي, قدري, السّابقون, 28.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"الحسين بن علي كما رأيته في ثلاث سنوات", في الزّهراء, 1 (ربيع الأوّل, 1343) , 193.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"جزيرة العرب والنّهضة الشّرقيّة الحديثة", في الزّهراء, 3 (شعبان, 1345) , 519.