فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 446

سوريا بعد دخول الفرنسيين إليها, لملاحقتهم له, بسبب نشاطاته السّابقة الّتي تحدّثنا عنها, ورفضه الصّريح لقبول الانتداب الفرنسي.

كان السّيّد محب الدّين يعتقد أنّ استقلال سوريا سيؤدّي حتمًا إلى استقلال جميع البلاد العربيّة, وسوف يساعد على إرجاع هذه الأمّة إلى موكب الحضارة. وكان يعتبر نفسه"أوّل إنسان على وجه الأرض دعا أبناء جيله من شباب العرب المثقّفين المخلصين لا على وحدة سوريا واستقلالها وحسب, بل إلى بعث الأمّة العربيّة وإرجاعها إلى دولاب العمل في حياة الإنسانيّة, بعد أن كفّ الشّعوبيون وأعداء الإسلام يدها عن هذه المهمّة أكثر من ألف سنة" [1] .

ويخطر سؤال على البال, وهو لماذا لم يبقَ السّيّد محب الدّين في سوريا لمقاومة الإحتلال الفرنسي مع من بقي من رفاقه, وآثر الهروب والخروج إلى مصر؟ , و يمكن أن نجيب عن ذلك بأنّ طلب الفرنسيين للسّيّد محب الدّين, وملاحقتهم له من أوّل يوم دخلوا فيه إلى سوريا, كان سيُقيّد حركته, وبالتّالي, وبسبب ظروف البلد, وعدم وجود جيش ومقاومة منظّمة فيه, رأى السّيّد محب الدّين أنّ الخروج من البلد أولى, لذلك خرج إلى مصر, ليجد هناك مكانًا ملائمًا لمتابعة نشاطه. وهناك ناحيّة أخرى يجب الانتباه إليها, وهي إيمان السّيّد محب الدّين بوحدة البلاد العربيّة, ونظرته إلى أنّ البلاد العربيّة وحدة واحدة لا تتجزّأ, لذلك فهو لم يكن يرى أنّ خروجه من سوريا إلى مصر هو ترك للواجب, بل هو انتقال من ميدان إلى ميدان آخر, والهدف واحد, هو استقلال البلاد ورفعة الأمّة. فالبلاد العربيّة كلها أجزاء من وطن واحد كبير هذه الأجزاء تشترك فيما بينها بكثير من السّجايا والخصال والمواهب والتّضاريس والامتداد الجغرافيّ والتّاريخيّ. لهذا فهو أينما وُجد في أيّ بقعة من هذا الوطن الكبير يقوم برسالته الّتي آمن بها على حسب تصوّره, وبالطّريقة الّتي يراها مناسبة.

وبالرّغم من مغادرته لسوريا, إلّا أنّه كان على صلة واطّلاع على ما يجري في بلده أوّلًا بأوّل. فعندما قامت معاهدة عام 1936 م بين سوريّا وفرنسا [2] , مثلًا, بيّن رأيه بصراحة فيها قائلًا:"إنّ فرنسا فرضت إنتدابها على سوريا بقوّة السّلاح, وباشرت ذلك على طريقتها المعلومة من يوم ميسلون إلى أن عقد هؤلاء الإخوان معاهدة معها, يُراد أن يحلّ التّحالف والصّداقة محلّ الانتداب, وأن تكفّ فرنسا يدها عن شؤون الإدارة والحكم والقضاء والتّشريع, مكتفية بالإحتياط, لحماية البلاد من مفاجآت خارجيّة, إلى وقت محدود, تكون سوريا قد أعدّت فيه قوات مسلّحة تدافع بها عن نفسها. إنّ سوريا ليست محتاجة إلى اعتراف رسميّ من فرنسا باستقلالها , إنّما الّذي تحتاجه سوريا هو انتهاء هذا الانتداب, وسحب فرنسا قوّاتها المسلّحة من البلاد إلى نقط محددة واضحة, وأن تُطلق أيدي السّوريين في شؤونهم التّشريعيّة والقضائيّة والإداريّة, فتكون كلّ بقعة, غير النّقط المعيّنة والمحدّدة, آمنة من أيّ احتلال عسكريّ, وتكون الإدارة الدّاخليّة سالمة من كلّ سيطرة أجنبيّة. ولمّا كانت سوريا عضوًا في جسم القوميّة العربيّة والملّة الإسلاميّة, فيجب أن لا تكون المعاهدة مصدر خطر على الأقطار العربيّة والإسلاميّة المجاورة لها" [3] . وهذا الرّأي للسّيّد محب الدّين طُبع مع رأي آخر مشابه للمجاهد الدكتور عبد الرّحمن الشّهبندر [4] في كتيّب

(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"السّم في الدّسم", في الفتح, 838 (رمضان, 1365) , 596.

(2) ـ تمت بين حكومة هاشم الأتاسي عام 1936 م وفرنسا بشأن حريّة سوريا. ومن أهمّ بنودها: قيام سلم وصداقة بين الجانبين, وتقدّم فرنسا لسوريا حماية, وتقوم فرنسا بمدّ سوريا بالمستشارين الفنيّين والقضاة والموظفين. وكانت المعاهدة مؤلّفة من تسعة مواد وملحق عسكري, وتسري فعاليتها لمدة 25 سنة. وقد لاقت اعتراضات كثيرة من معظم الفئات الوطنيّة؛ انظر, سعدي, سعد, معجم الشّرق الأوسط, 110 ـ 111؛ والشّهبندر, عبد الرّحمن, المقالات, تحقيق محمّد كامل الخطيب, 96.

(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"إلى الأمّة العربيّة الكريمة, المعاهدة السّوريّة مع فرنسا هل حققت استقلال سوريا؟", دمشق, الوثائق التّاريخيّة, القسم الخاصّ, الإتحاد الوطني, البيانات, الوثيقة رقم 8/ 8, 8 ـ 9.

(4) ـ عبد الرّحمن الشّهبندر, ولد في دمشق عام 1879 م, درس في الكليّة السّوريّة الإنجيليّة في بيروت, وتخرّج من كليّة الطّب عام 1906 م, كان من الخطباء المفوّهين, ومن رجال الوطنيّة والقوميّة, هرب من جمال باشا عام 1915 م, وعاد إلى دمشق مع دخول قوات فيصل, شارك كوزير للخارجيّة في الحكومة الفيصليّة, حكم عليه بالإعدام, اغتيل عام 1940 م, من كتبه القضايا الإجتماعيّة الكبرى؛ انظر, كحّالة, عمر رضا, معجم المؤلّفين, 5, 141؛ والزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 3, 555؛ والشّهبندر, عبد الرّحمن, مذكّرات وخطب, تحقيق محمّد كامل الخطيب, دمشق, منشورات وزارة الثّقافة, ط 1, 1993, 69 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت