ولا يمكن إغفال دور البعثات التّبشيريّة الأوروبيّة الّتي حاولت الدّخول إلى قلوب وعقول المسلمين من بوابة التّعليم، فافتتحت المدارس المتنوّعة, وأنشأت الكليّات العالية مثل الكليّة السّوريّة البروتستانتيّة الّتي سُميّت فيما بعد بالجامعة الأمريكيّة لكلّ من بيروت والقاهرة [1] .
وبالرّغم من هذا التّنوّع إلّا أنّ المدارس لم تكن كافية, والحالة التّعليميّة فيها كانت متأخّرة ومتخلّفة, بالإضافة إلى أنّها لا تدرّس اللّغة العربيّة, فالدّولة العثمانيّة, وبعد استيلاء الإتحاديّين على الحكم, جعلت التّدريس باللّغة التّركيّة, وكانت تدرّس حتّى اللّغة العربيّة والنّحو والصّرف باللّغة التّركيّة [2] . لهذا واجه الطّلاب مصاعب لا قبل لهم بتذليلها, وأهمّها قضيّة اللّغة آنذاك, لغة الحاكم التّركيّة, وهي اللّغة الوحيدة الّتي تُدرّس في مدارس الدّولة, أمّا اللّغة العربيّة فلم تكن تُدرّس إلّا في الكتاتيب والمدارس الدّينيّة" [3] ."
أمّا المدرّسون فكانوا غير أكفاء, ولم يكن إعدادهم جيدًا. وذكر أحد الكتّاب أنّ الوظائف التّدريسيّة كانت تُوضع في المزاد, ليتولّاها من يقبل بأقلّ أجر بغضّ النّظر عن معرفته بالعلم الّذي يريد تدريسه [4] . لذلك اتجه النّاس إلى المدارس الأهليّة والتّبشيريّة، والّتي انتشرت في الدّولة العثمانيّة انتشارًا كبيرًا لمّا وجدوا أنّها تتقدّم عن مدارس الدّولة الحكومية تقدّمًا كبيرًا. وتنافس المرسلون الأميركان واليسوعيون والعازاريون في بثّ المعرفة والتّبشير, وإعمار مدارسهم وكلّياتهم, فكان علية القوم يأنفون من وضع أولادهم في المدارس الحكوميّة, فاتّجهوا إلى هذه المدارس, الّتي
(1) ـ كامل, محمود, الدّولة العربيّة الكبرى, القاهرة, دار المعارف, 1378/ 1958, 372.
(2) ـ عوض, عبد العزيز, الإدارة العثمانيّة في ولاية سوريّة 1864 ـ 1914, القاهرة, دار المعارف, 1389/ 1969, 262.
(3) ـ قلعجي, قدري, الثّورة العربيّة الكبرى, 39.
(4) ـ كرد علي, محمّد, الإسلام والحضارة العربيّة, 345.