كانت الحياة الاقتصاديّة في أواخر الدّولة العثمانيّة متأخّرة تأخّرًا كبيرًا. فالزّراعة الّتي تعتبر العماد الأساسيّ للاقتصاد في الدّولة, كانت تعاني من الضّعف والتأخّر. وقد حاولت الدّولة أن تحسّن من أداء هذا القطاع, فكانت تسنّ القوانين الّتي تهدف إلى إصلاح الزّراعة وتحاول تنفيذها, ولكنّها كانت تفشل في ذلك، وذلك لعدّة أسباب كان من أهمّها سوء الإدارة, وتفشّي الرّشوة وضعف الكادر التّنفيذيّ [1] .
وكان نظام الإقطاع منتشرًا في ذلك الوقت, وقد أضرّ هذا النظام بالزراعة ضررًا كبيرًا, فالإقطاعيون كانوا يعاملون الفلاحين معاملة غاشمة ظالمة, وأكثروا عليهم الضّرائب والأعباء الماديّة. وجاء زمان والفلاحون ينزلون برضاهم عن أرضهم إلى الإقطاعيين, لأنّهم لا يستغلّون منها ما يفي بالضّرائب الموضوعة عليها لكثرتها، ليس على الفلاحين والأراضي الزّراعيّة وحدها, بل على كلّ مرافق الحياة الاقتصاديّة, تحاول الدّولة من خلالها أن تعوّض ما كانت تخسره في حروبها الكثيرة [2] .
وانتشر نظام الالتزام فكانت"الدّولة تطرح الأعشار في المزاد العلنيّ لكي تقبض ريعها من الملتزم سلفًا, وتطلق له العنان في تحصيلها من المكلّفين. وكم تحمّل النّاس من ظلم الملتزمين عند التّحصيل, فقد كان هؤلاء من أرباب النّفوذ الإقطاعيين, وكانوا يتّفقون مع الحكّام على سلب الفلاّح" [3] .
وكان لانعدام الأمن وغارات البدو على القرى أثر في تأخّر الزّراعة"وقد جاء وقت فرض البدو فيه (خوّة) حتّى على المدن, ولهم على كلّ قريّة مبلغ أو إتاوة سنويّة, وإلّا رعوا الزّروع وقطعوا الأشجار, وخرّبوا المساكن, وقتلوا الأنفس" [4] .
(1) ـ عوض, عبد العزيز, الإدارة العثمانيّة في ولاية سوريّة 1864 ـ 1914, 245.
(2) ـ كرد علي, محمّد, الإسلام والحضارة العربيّة, 317.
(3) ـ البارودي, فخري, أوراق و مذكّرات فخري البارودي, القسم الأوّل, 103.
(4) ـ كرد علي, محمّد, الإسلام والحضارة العربيّة, 317.