فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 446

أ ـ بعد حصول السّيّد محب الدّين على شهادة الدّراسة الثّانويّة في عام 1905 م، وبعد انقضاء العطلة الصّيفيّة, أبحر من بيروت إلى استانبول، والتحق بكليتي الحقوق والآداب معًا، وليس الغرض من ذلك, على حدّ تعبيره, الإكثار من العلم، بقدر ما هو الإكثار من الآفاق الّتي يغشاها ليكثر من الإخوان الّذين يصطفيهم ويعقد الرّوابط الفكريّة معهم [1] . فالسّيّد محب الدّين كان صاحب رسالة، وكان همّه أن يعمل بما يؤمن به، لذلك فقد أقام في حي جنبرلي طاش، هذا الحي الّذي يكثر فيه أبناء العرب.

وقد هاله أن يجد أنّ آمال النّشء العربيّ في البلاد العربيّة, أن يحذقوا لغة التّرك, تكلّمًا, وإنشاء, وأدبًا، ليتولّوا بعد ذلك وظائف الدّولة في بلادهم والبلاد العثمانيّة الأخرى. فأبناء العرب الّذين يقطنون في حي جنبرلي طاش كانوا يختارون هذا الحي لقربه من المدارس، ومن الباب العالي، ومن مشيخة الإسلام الّتي كانت تعيّن القضاة الشّرعيين، فهم بالدّرجة الأولى طالبو وظيفة، لا همَّ لهم سواها [2] .

ب ـ وقد أيقن أنّ عليه بذل جهده ليغيّر من طموح هؤلاء الشّباب، فبدأ بمحاولة إقناع طائفة منهم بضرورة تعلّم اللّغة العربيّة. وبمساعدة من السّيّد محمّد كرد علي [3] الّذي كان يرسل له الصّحف المصريّة وصحف المهجر بالبريد, أخذ يجمّع هؤلاء الشّبان في غرفته، وفي غرفة صديقه الشّهيد عارف الشّهابي، ويقومان بتعليمهم اللّغة العربيّة, ويقرآن معهم هذه الصّحف. وقد قسّم السّيّد محب الدّين والشّهيد عارف هؤلاء الشّبان إلى مجموعتين, يقوم هو بتعليم المجموعة الأولى، ويتولّى السّيّد عارف الشّهابي تعليم المجموعة الثّانية.

وكان التّعليم يسير وفق خطّة مرسومة، فقد كان السّيّد محب الدّين والشّهيد عارف يعلّمان الشّباب قاعدة واحدة من قواعد اللّغة نظريًّا، ثمّ تُطبّق عمليًّا بالقراءة والإنشاء. وكانا يختاران من الشّعر والإنشاء ما يكون له أثر في تمجيد اللّغة العربيّة، وبعث الرّوح القوميّة العربيّة، والاعتزاز بالماضي المجيد للعرب، ولا ينتقلان إلى تعليم قاعدة أخرى، إلّا بعد إتقان القاعدة الأولى اتقانًا تامًّا [4] .

ج ـ وتكّون من جماع هؤلاء الطلاّب ما سمّي فيما بعد بجمعية النّهضة العربيّة, والّتي سيأتي الحديث عنها لاحقًا. وبسبب هذا النّشاط أحسّت السّلطات التّركيّة بما يدور, فبعثت من يفتّش غرفة السّيّد محب الدّين، ووجدوا عنده كتبًا وجرائد ممنوعة، وقد نجا السّيّد محب الدّين من الاعتقال بأعجوبة, حيث قام بتفتيش غرفته رجل له صلة بأسرة الخطيب، فحذّر السّيّد محب الدّين وأبلغه أنّ السّلطات تراقبه, ونصحه بالتّخلص من هذه الأوراق والجرائد والكتب وتركه. فقام السّيّد محب الدّين بإخبار رفاقه بما حصل فأحرقوا الأوراق والجرائد، وأودعوا الكتب عند صديق للسّيّد محب الدّين [5] .

كان السّيّد محب الدّين وقتها في نهاية السّنة الدّراسيّة الثّانية في كليّة الحقوق, وقد نجح إلى السّنة الثّالثة، ولكنّه ترك دراسة الآداب لاتّساع نشاطه، وباقتراح من إخوانه ترك استانبول في العطلة المدرسيّة، وعاد إلى دمشق 1335/ 1907. وبعد فترة تلقّى من صديقه عارف الشّهابي خطابًا ينصحه فيه بالبقاء في دمشق سنة كاملة

(1) ـ برج, محمّد عبد الرّحمن, محب الدّين ودوره في الحركة العربيّة, 18.

(2) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 15.

(3) ـ محمّد كرد علي, ولد في دمشق عام 1293/ 1876، وهو رئيس المجمع العلميّ العربيّ بدمشق ومؤسسه، صاحب مجلّة المقتبس. هاجر إلى مصر، وقام بتحرير مجلة الظّاهر, وعمل في المؤيّد، وولي وزارة المعارف مرّتين، من كتبه: خطط الشّام, الإسلام والحضارة العربيّة, كنوز الأجداد, والمعاصرون, وغيرها. توفّي 1372/ 1953؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 6, 202 ـ 203؛ وكحّالة, عمر رضا, معجم المؤلفين,10, 105.

(4) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 16 ـ 17.

(5) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه,20 ـ 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت