وهكذا توالتّ الصّحف في الظّهور. وظهرت فيما بعد صحف كثيرة في كلّ البلاد العربيّة.
وفي عصر السّيّد محب الدّين أصبحت الصّحف كثيرة العدد، بالمقارنة مع انتشار الجهل بين العامّة, وكانت منتشرة في جميع أرجاء الدّولة العثمانيّة, ويمكن تفسير ذلك بسهولة إصدار الصّحف في ذلك الوقت, وبظهور نهضة ثقافيّة بين المتعلّمين والمثقّفين في الدّولة العثمانيّة.
وكانت هذه الصّحف متطوّرة نسبيًا, بعد أن كانت في بدايتها ركيكة الأسلوب, رديئة الطّباعة, سيئة الإخراج، وقد أصبحت فيما بعد تعتني بأسلوبها وإخراجها، وتميّزت بمقالات ممتازة وراقية.
ولم يكن هناك ما يقيّد الصّحف من رقابة أو غيرها، فقد كانت الصّحف مطلقة الحريّة تستطيع أن تنشر الأنباء على علاّتها, وتنتقد أعمال الحكومة وموظفيها, غير أنّ هذه الحال لم تستمر, وأُصدرت الأوامر الّتي قيدت من حريّة الصّحافة, وضيّقت على الصّحفيين. وكان أن أدّت هذه الحال من التّضييق إلى هجرة عددٍ كبير من الصّحافيين اللّبنانيين والسّوريين إلى مصر, حيث كانت الصّحافة تتمتّع بحريّة أوسع نسبيًّا [1] , ذلك أنّ بريطانيا عرفت كيف تُجَمّع عندها المفكّرين والمثقّفين العرب, وتضعهم تحت جناحها, وتجعلهم ينطقون باسمها. لذلك سنجد أنّ جميع الصّحف الّتي عمل بها السّيّد محب الدّين كانت تصدر في مصر, ما عدا جريدة ثمرات الفنون, الّتي كانت تصدر في لبنان.
ومع دخول المستعمر الأوروبيّ إلى البلاد العربيّة زادت الضّغوط علىحريّة الصّحافة, الّتي ناهضت الاحتلال وقاومته, وكان"يتمّ إغلاق الصّحف بطريق الأمر"
(1) ـ مروّة, أديب, الصّحافة العربيّة نشأتها وتطوّرها, 149.