من الدُّنْيَا ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها والتطلع إلى هذا طبيعة مجبولون عَلَيْهِ ا ولذلك تجد الكثير من النَّاس يتشوقون إلى الوقوف عَلَى ذلك في المنام والأخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة ولقد نجد في المدن صنفا من النَّاس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص النَّاس عَلَيْهِ فينتصبون لهم في الطرقات والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه فتغدو عَلَيْهِ م وتروح نسوان المدنية وصبيانها وكثير من ضعفاء العقول يستكشفون عواقب أمرهم في الكسب والجاه والمعاش والمعاشرة والعداوة وأمثال ذلك ما بين خط في الرمل ويسمونه المندل وهو من المنكرات الفاشية في الامصار لما تقرر في الشريعة من ذم ذلك وإن البشر محجوبون عن الغيب خلا من أطلعه اللَّه عَلَيْهِ من عنده في نوم أو ولاية وأكثر ما يعتني بذلك ويتطلع إِلَيْهِ الأمراء والملوك في آماد دولتهم ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إِلَيْهِ وكل أُمَّة من الا مم يوجد لهم كلام من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها وما يحدث لهم من الحرب والملاحم ومدة بقاء الدولة وعدد الملوك فيها والتعرض لأسمائهم ويسمى مثل ذلك الحدثان وكان في العرب الكهان والعرافون يرجعون إِلَيْهِم في ذلك وقد أخبروا بما سيكون العرب من الملك والدولة) [1] لكنه جل وعلا فتح لهم من هذا الباب ما يَكُوْن نافعا لهم في دينهم ودنياهم، ولا يدخل عَلَيْهِ م ضررا ولا يشغلهم عن دورهم الاساس، جاء في مفتاح دار السعادة: (ولحكمة جليلة ضرب اللَّه دون هذا العلم بالأسداد، وطوى حقائقه عن أكثر العباد، وذلك أن العلم بما سيكون ويحدث ويستقبل علم حلو عند النفس، وله موقع عند العقل، فلا أحد الا وهو يتمنى أن يعلم الغيب، ويطلع عَلَيْهِ ويدرك ما سوف يَكُوْن في غد، ويجد سبيلا إِلَيْهِ ولو ذلل السبيل إلى هذا الفن لرأيت النَّاس يهرعون إِلَيْهِ، ولا يؤثرون شيئا آخر عَلَيْهِ، لحلاوة هذا العلم عند الروح ولصوقه بالنفس وغرام كل أحد به، وفتنة كل إنسان فيه، فبنعمة من اللَّه لم يفتح هذا الباب، ولم يكشف دونه الغطاء، حتى يرتقي كل أحد روضه ويلزم حده، ويرغب فيما هو أجدى عَلَيْهِ وأنفع له إما عاجلا وإما آجلا فطوى
(1) المقدمة لابن خلدون 2/ 821.