فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 198

وفي رواية أن أم ذر بكت لما حضرته الوفاة، فقَال لها: ما يبكيك؟ قَالت: وما لي لا أبكي، وأنت تموت بفلاة من الْأَرْض، ولا يدَ لي بدفنك، وليس عندي ثوب يسعُك، فأكفِنك فيه؟

قَال: فلا تبكي وأبشري، فإني سمعت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لنفر من أصحابه وأنا فيهم: (ليموتَن رجل منكم بفلاة من الْأرْض، يشهده عصابة من المؤمنين) ، وليس من أولئك النفر أحد الا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الَّذِيْ أموت بفلاة، والله ما كذَبت ولا كُذِبت. [1]

لقد بشرها رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بمقدَم من يعينها عَلَى دفنه، لأن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال متنبئًا عن ذلك الَّذِيْ يموت بفلاة بأنه (يشهده عصابة من المؤمنين) .

وجزْمُ أبي ذر أنه ذلك الرجل، لأن الباقين ممن شهدوا هذا القول قد ماتوا في قرية أو جماعة، ولم يبق الا أبو ذر، وهو الَّذِيْ حقق ما أخبر عنه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فمن ذا الَّذِيْ أخبر مُحَمَّد ًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بموت أبي ذر وحيدًا؟ ومن الَّذِيْ أخبره بمقدم جماعة من المؤمنين يتولون تجهيزه ودفنه؟ إنه عالم الغيب والشهادة العليم الخبير.

ومن دلائل نبوته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخبارُه عن موت النجاشي في أرض الحبشة في يوم وفاته، وهذا خبر تحمله الركبان يومذاك في شهر، يقول أبو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: (نعى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النجاشي في الْيَوْم الَّذِيْ مات فيه، خرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعًا) . [2]

قَال المباركفوري:"وفيه عَلمٌ من أعلام النبوة لأنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلمهم بموته في الْيَوْم الَّذِيْ مات فيه، مع بُعدِ ما بين أرض الحبشة والمدينة". [3]

(1) رواه أَحْمَد ح (20865) ، وابن حبان ح (6670) ، وحسّنه الالباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (3314) .

(2) رواه البُخَارِي ح (1254) .

(3) تحفة الاحوذي (4/ 115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت