وقد أدركتها الشهادة زمن عمررَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وكانت أعتقت جارية لها وغلامًا عن دُبرُ مِنْهَا (أي يُعتقان بَعْدَ وفاتها) فطال عَلَيْهِ ما، فغمّاها (أي خنقاها) في القطيفة حتى ماتت. [1] فكانت وفاتُها شهادة كما أخبر النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فكيف جزم النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاتها غيلة دون سائر الميتات، وهو أمر يندر في النساء؟ إنه دليلٌ آخرُ من دلائل نبوته وآيات رسالته.
ويغدو النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تبوك، ويتأخر عن الجيش أبو ذر لبطئ بعيره، فيتركه، ويحمل متاعه عَلَى ظهره، ليلحق بالنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تبوك.
وبينما المُسْلِمون يتفقدون من تخلَّف عنهم، لاح في الافق سوادُ رجلٍ يمشي، قَالوا: يا رَسُول اللَّه، هذا رجل يمشي عَلَى الطريق، فقَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كن أبا ذر) ، فلما تأمله الصَّحَابَة، قَالوا: يا رَسُول اللَّه، هو واللهِ أبو ذر. فَقال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رحم اللَّه أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده) .
لقد عرَف النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شخصَ أبي ذر قبل وصوله إِلَيْهِم بما أعلمه اللَّه، كما تنبأ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن أبا ذر، كما هو الان يمشي وحده بعيدًا عن أصحابه، فإنه سيموت وحده بعيدًا عنهم، ثُمَّ يبعث من ذلك المكان وحده.
وتمضي الايام لتُحقق نبوءةَ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتدرك الوفاةُ أبا ذر في الربذة، فلما حضره الْمَوْت أوصى امرأته وغلامَه: إذا مِت فاغسلاني وكفّناني، ثُمَّ احملاني، فضعاني عَلَى قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم، فقولوا: هذا أبو ذر.
فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب من أهل الكوفة، وفيهم ابن مسعود، فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره (أي من إسراعهم إِلَيْهِ) .
فاستهل ابن مسعود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يبكي، ويقول: صدق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يرحم اللَّه أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده ) ).
فنزل ابن مسعود فولِيَ دفْنه. رَضِيَ اللَّه عَنْهُما. [2]
(1) رواه أَحْمَد ح (26538) ، وأبو داود ح (571) ، وحسنه الالباني في صحيح أبي داود ح (552) .
(2) رواه الحاكم في المستدرك (3/ 52) ، وحسّن إسناده ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 9) .