و مِمَّا أخبر به النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أخبار الفتن إخباره عن خروج إحدى أزواجه عَلَى جمل، وأنه يقتل حولها كثير من المُسْلِمينَ، فعن ابن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُا قَال: قَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أيتُكنَّ صاحبة الجمل الا دبب(أي كثير وبر الوجه) ، يقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت). [1]
وقد تحققت نبوءته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين سارت عائشة رَضِيَ اللَّه عَنْهُا جهة البصرة قبيل وقعة الجمل، فلما بلغت مياه بني عامر نبحت الكلاب، فقَالت: أي ماء هذا؟ قَالوا: ماء الحوأب، قَالت: ما أظنني الا أني راجعة.
فقَال لها الزبير: بل تقدمين، فيراك ال مُسْلِمون، فيصلح اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بينهم، قَالت: إن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لي ذات يوم: (كَيْفَ بإحداكن تنبح عَلَيْهِ ا كلاب الحوأب) . [2] فتحقق ما أخبرها به النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وفاته بخمس وعشرين سنة، ليكون إنباؤه دليل صدقه وبرهان نبوته.
وإذا كانت الفتنة قد عصفت رياحها بالكثيرين، فإن ثمَّة من لا تضره الفتنة ولا يشترك فيها، إنه مُحَمَّد بن مُسْلِمة، يقول حذيفة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: ما أحد من النَّاس تدركه الفتنة الا أنا أخافها عَلَيْهِ؛ الا مُحَمَّد بن مُسْلِمة، فإني سمعت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (لا تضرك الفتنة) . [3]
ولما أطلَّت الفتنة برأسها حقق مُحَمَّد بن مُسْلِمة نبوءة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه، فاعتزلها، وكسر سيفه، واتخذ سيفًا من خشب. [4]
(1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ح (37785) ، قَال الهيثُمَّي في مجمع الزوائد:"رواه البزار ورجاله ثقات" (7/ 474) .
(2) رواه أَحْمَد ح (23733) ، والحاكم (3/ 129) ، وصححه، ووافقه الذهبي، و قَال ابن كثير في البداية والنهاية:"هذا إسناد عَلَى شرط الصحيحين ولم يخرجوه" (6/ 212) .
(3) رواه أبو داود ح (4663) ، وصححه الالباني في مشكاة المصابيح ح (6233) .
(4) انظر العبر، الذهبي (1/ 9) .