رَجُلٌ مِنْ المُسْلِمينَ فَيَدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَ تَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ، وَ يَثُورُ المُسْلِمونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتَتِلُونَ فَيُكْرِمُ اللَّهُ تِلْكَ الْعِصَابَةَ بِالشَّهَادَةِ) [1] .
وقوله: آمنًا، أي: ذا أمن، فيغزون ويُقاتلون هم والروم عدوًا من خلفهم. أي: أن المُسْلِمينَ والروم يغزون معًا عدوًا آخرين بالمشاركة والاجتماع. بسبب الصلح الَّذِيْ بينهم، أو أن المُسْلِمينَ يغزون عدوهم لوحدهم، والروم يغزون عدوهم بالإنفراد. والاحتمال الأول قيل هو الظاهر.
ثُمَّ أخبرصلى الله عليه وسلم أنهم يُنصرون بَعْدَ غزوهم هذا ويغنمون الأموال ويسلمون من القتل والجرح في القتال، ثُمَّ يرجعون بَعْدَ الغزو عن عدوهم حتى ينزلوا هم والروم بِمَرْجٍ ذي تُلولٍ أي: بموضع مرتفع فيه نبات ترعى فيه الدواب، وبَعْدَ أن ينزلوا بهذا المكان يقوم رجل من أهل النصرانية فيرفع الصليب الَّذِيْ هو عبارة عن خشبة مربعة يدَّعون أن عيسى عليه السلام صلب عَلَى خشبة كانت عَلَى تلك الصورة، فيقول هذا الرجل الَّذِيْ من الروم: غَلَب الصَّليبُ، أي: دين النَّصَارَى، قاصدًا بذلك إبطال الصلح أو مجرد الافتخار وإيقاع المُسْلِمينَ في الغيظ، فحينئذٍ يغضب المُسْلِمونَ فيقوم رجل منهم فيدُقُّه، أي: فيكسر الصليب، فعند ذلك تَغْدِرُ الروم، أي: تنقض العهد فتجمع رجالها وجيوشها، ويجتمعون للملحمة، أي للحرب [2] .
بيد أن هناك رواية أخرى فيها زيادة وإكمال لقصة هذه الملحمة وهي بلفظ: (ويثور المُسْلِمونَ إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيُكرم الله تلك العِصابة بالشهادة) [3] .أي: بَعْدَ أن تغدِر الروم وتجمع رجالها للحرب، حينئذ يثور ويهوج المُسْلِمونَ فيقومون مسرعين إلى أسلحتهم فيقتتلون معهم، فيكرم الله تلك العصابة، أي: جماعة المُسْلِمينَ بالشهادة [4] .
(1) رواه أبو داود و ابن ماجه و أَحْمَد
(2) عون المعبود: (11/ 398 ـ 399) .
(3) رواه أبو داود في الملاحم باب مايذكر من ملاحم الروم: 4/ 481 ـ 482 رقم 4293، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 3/ 809 رقم 3608.
(4) عون المعبود: 11/ 399.