وقد أخبر النبي عُثمان ببعض معالم هذه الفتنة فقَال له: (يا عُثمان، إنه لعل اللَّه يقمّصُك قميصًا، فإن أرادوك عَلَى خلعه، فلا تخلعه لهم) . [1]
لقد أنبأه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يموت شهيدًا، وها هو ينبئه عن خلافته، وأن ثمَّةَ من يريد خلعَه من هذه الخلافة، فطلب منه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدم موافقتهم عَلَيْهِ، وكل ذلك من أخبار الغيب الصادقة الدالة عَلَى نبوته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَال المباركفوري:"يعني إن قصدوا عَزَّ لك عن الخلافة، فلا تعَزل نفسك عنها لأجلهم؛ لكونك عَلَى الحقّ، وكونهم عَلَى الباطل , ولهذا الحَدِيث فإن عُثمان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لم يعَزل نفسَهُ حين حاصرُوهُ يوم الدّار". [2]
ووصف النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدقة معالم هذه الفتن التي تتابعت بَعْدَ مقتله، وكأنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يراها، وفي مقدمتها الفتنة الكبرى التي اقتتل فيها الصَّحَابَة في معركتي الجمل وصفين، وذلك بَعْدَ وفاته بثلاثين سنة، فيقول: (لا تقوم السَّاعَة حتى تقتتل فئتان، دعواهما واحدة) . [3]
قَال ابن كثير:"وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل وأصحاب صفين، فإنهما جميعًا يدعون إلى الاسلام، وإنَّمَا يتنازعون في شيء من أمور المُلك ومراعاة المصالح العائد نفعها عَلَى الامة والرعايا، وكان ترك القتال أوْلى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصَّحَابَة". [4]
قَال ابن حجر:"قوله: (دعواهما واحدة) أي دينهما واحد، لأن كلا منهما كان يتسمى بالإسلام, أو المراد أَنَّ كلا منهما كان يدعي أنه المحق". [5]
(1) رواه التِّرْمِذيّ ح (3705) ، وأَحْمَد في المسند ح (24639) ، وصححه الالباني في صحيح التِّرْمِذيّ ح (29233) .
(2) تحفة الاحوذي (10/ 137) .
(3) رواه البُخَارِي ح (6936) .
(4) البداية والنهاية (6/ 214) .
(5) فتح الباري (6/ 713) .