بَعْدَ أن انتهت المجزرة خرج أولئك فمنهم من مات، ومنهم من بقي عَلَى الحياة ثم خرج فكان من نتن الجيف الوباء الَّذِيْ قضى عَلَى البقية، فكانت مذبحة عَلَى مذبحة ومصيبة عَلَى مصيبة، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كان لهم بالمرصاد أيضًا، فإنّ أولئك القوم أذلوا ابن العلقمي وأهانوه ولم يقدروا أنه فعل هذا الفعل، بل اعتبروه خائنًا، وبَعْدَ بضعة أشهر فطس وذهب إلى حيث يستحق من عند الله عز وجل وكذلك فُعِل بنصير الكفر الطوسي وأمثالهم.
وكان بَعْدَ ذلك المرحلة الأخرى التي أراد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبتلي فيها الأمة الإسلامية بهؤلاء التتار، ثم انهزم التتار، ثم ظهر الحق جليًا وساطعًا، حيث إنه في تلك الفترة كان قد ولد شَيْخ الإِسْلامِ المجدد تقي الدين أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- فأظهر الله تعالى به الدين، وكان أكبر الملوك -ومنهم الناصر قلاوون وأمثاله- ممن وقفوا معه في كثير من الأمور، وهو الَّذِيْ حرك العلماء وحرك الأمة، فحاربت التتار وهزمتهم وكذلك حاربت الصليبيين، ثم تحقق بَعْدَ ذلك بعث جديد للإسلام بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
هذا وقد دخل جم غفير من الترك في دين الإسلام، وحصل عَلَى أيديهم الخير الوفير للأمة الإسلامية، وقامت عَلَى عواتقهم دولة إسلامية عظمى، انطلقت مِنْهَا فتوحات إسلامية، كفتح القُسطَنطينيَّة عاصمة الروم، وكان هذا الفتح تهيئة وتمهيدًا للفتح الأعظم في آخر الزمان قبل خروج الدجال، ثُمَّ دخل الإسلام وانتشر إلى أوربا والشرق والغرب، وما ذاك إلا تصديقًا لما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أن ذكر قتال الترك (( وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر [1] حتى يقع
(1) ـ لهذا الأمر: أي تولي الإمارة والحكم. (صحيح البُخَارِي 3/ 1315 بتحقيق د. مصطفى أديب البُغا) .