فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 198

من العجيب المدهش الَّذِيْ يلوي الأعناق من أخبار الفتوح أَنَّ بعض هذه الاخبار كانت في وقت ضيق المُسْلِمينَ، وعَلَى خلاف ما توحي به الاحداث، بل عَلَى عكسه ونقيضه، لقد كان النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتنبأ - وهو في ضنك البلاء وأُوار المحنة - بما لا يمكن لأحد أن يحلُم به ولو في رؤياه.

ومنه أنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج عَلَى أصحابه وهم يعذبون بالنار والحديد في بطحاء مكة، وفيهم خباب بن الأرَتّ، الَّذِيْ تقدم إِلَيْهِ شاكيًا فقَال: الا تستنصر لنا؟ الا تدعو اللَّه لنا؟ فقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الْأَرْض، فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع عَلَى رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه"."

ثُمَّ بشره النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببشارة عظيمة مذهلة فقَال: (والله ليَتِمَّنَّ هذا الامر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف الا اللَّه أو الذئب عَلَى غنمه، ولكنكم تستعجلون) . [1]

إنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتنبأ بتمام أمر دينه، وبأمن أصحابه في زمنٍ ما كانوا يجرؤون فيه عَلَى إعلان دينهم خوفًا من بطش قريش وعذابها.

أ-وفي المدينة المنورة ألقى الخوف بظلاله عَلَى المُسْلِمينَ، ولنسمع إلى أُبي بن كعب وهو يصف حالهم: لما قدم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابُه المدينة، وآواهم الانصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون الا في السلاح، ولا يصبحون الا فيه.

فقَالوا: ترون أنَّا نعيشُ حتى نبيتَ مطمئنين لا نخاف الا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؟ فنزل قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ

(1) رواه البُخَارِي ح (3612) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت