خَوْفِهِمْ أَمْنًا) [1] وكان كذلك، فقد أمَّنهم اللَّه من بعد خوفهم، وسوَّدهم الْأَرْض، واستخلفهم فيها من بعد ذلتهم، ومكَّن لهم دينهم في مشارق الْأَرْض ومغاربها.
قَال القرطبي:"وقد فَعلَ اللَّه ذلك بمحمدٍ وأمتِه، ملّكَهُم الْأَرْض، واستخلفهم فيها، وأذل لهم ملوكًا تحت سيف القهر بَعْدَ أن كانوا أهل عَزَّ وكبر، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم (وَعْدَ اللَّه لَا يُخْلِفُ اللَّه الْمِيعَادَ) ". [2]
ب-وفي موقف آخر من المواقف الصعبة التي عانى مِنْهَا الصَّحَابَة أتى عدي بن حاتم النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبينما هو عنده؛ أتاه رجل فشكا إِلَيْهِ الفاقة، ثُمَّ أتاه آخر فشكا إِلَيْهِ قطع السبيل.
فالتفت النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عَدي، و قَال: (( فلعلك إنَّمَا يمنعك عن الا سلام أنك ترى من حولي خصاصة، أنك ترى النَّاس علينا إلْبًا ) ).
ثُمَّ ألقى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبوءة مفاجئة أذهلت عَديًا، فقد قَال له: (( يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ ) )فأجابه: لم أرها، وقد أُنبئت عنها.
فقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فإن طالت بك حياة لترين الظعينة(أي المرأة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا الا اللَّه).
يقول عدي، وهو يتشكك من وقوع هذا الخبر: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار (لصوص) طيءٍ الَّذِينَ سعروا البلاد؟
وقبل أن يفيق عدي من ذهوله وحديثه مع نفسه أسمعه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبوءة أعظمَ وأبعد، فقَال: (ولئن طالت بك حياة لتُفتحنَّ كنوزُ كسرى) .
ولم يصدق عديٌ مسمعه، فسأل النبيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستوثقًا: كسرى بنِ هُرمز؟
فأجابه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلسان الواثق من ربه - رغم ضعف حاله وفاقة أصحابه: (كسرى بنِ هرمز، ولئن طالت بك حياة لتريَنَّ الرجل يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبلُه) .
(1) النور: 55
(2) الاعلام بما في دين النصارى (1/ 338) .والآية: الزمر: 20