فتأمل حسن إرشاد النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للسائل وصرفه إلى ما يعنيه ويفيده من شأن السَّاعَة وهي قضية الاعداد، يقول الحافظ ابن حجر: (والحكمة في تقدم الاشراط إيقاظ الغافلين، وحثهم عَلَى التوبة والاستعداد) [1] ، فأشراط السَّاعَة مواعظ تزجر القلوب لتقبل عَلَى علام الغيوب جل وعلا، كلما وقع شرط مِنْهَا فهي خطوة يخطوها النَّاس جميعا نحوالْآخِرَة فالسعيد من سار في هذه الدُّنْيَا متذكرا للآخرة عاملا لها والشقي من أعرض عن أخراه قد عمي عنها ونسيها (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [2] .
إن في كيان الانسان حاجة فطرية وفضولا يدفعه للتعرف عَلَى المستقبل وما يتعلق به من أحداث، ولذا فقد وجد في النَّاس في القديم والحَدِيث من اتخذ من الكهانة والعرافة والتنجيم وغير ذلك من طرائق أهل الانحراف مطية يركبها ليشرف عَلَى شيء من المغيبات -زعم- وليسد هذه الحاجة في نفسه، ولا تزال هذه السوق المبنية عَلَى الدجل والكذب والتخريف سوقا رائجة يقبل عَلَيْهِ ا كثير من النَّاس بمختلف عقلياتهم ومستوياتهم، يقول شيخ الاسلام: (وباب الكذب في الحوادث الكونية أكثر منه في الامور الدينية، لأن تشوف الَّذِينَ يغلبون الدُّنْيَا عَلَى الدين إلى ذلك أكثر، وإن كان لأهل الدين إلى ذلك تشوف، لكن تشوفهم إلى الدين أقوى، وأولئك ليس لهم من الفرقان بين الحق والباطل من النور ما لأهل الدين، فلهذا كثر الكذابون في ذلك ونفق منه شيء كثير) [3]
فكان من رحمة اللَّه بعباده أن بين لهم كذب هذه الطرائق، وبرحمته بين لهم شيئا مِمَّا يستقبلون بطريق شرعي قطعي تطمئن إِلَيْهِ النفوس، وتسد حاجة عندهم، بل ويثابون عَلَى الايمان به.
يقول ابن خلدون: (اعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوق إلى عواقب أمورهم وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي
(1) الفتح 11/ 357، وانظر التذكرة 2/ 472، والسنن الواردة في الفتن 23، والإشاعة 24، والإذاعة 15، ولوامع الا نوار البهية 2/ 65
(2) التوبة: 67
(3) الفتاوى 4/ 79