يَقُولُ القُرْطبي - رحمه الله: قال العلماء رحمهم الله تعالى: الحكمة في تقديم الأشراط، ودلالة الناس عليها، تنبيه الناس من رقدتهم وحثهم عَلَى الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بَعْدَ ظهور أشراط الساعة، قد نظروا لأنفسهم وانقطعوا عن الدنيا واستعدوا للساعة الموعود بها. [1]
إِنَّ أُمَّةَ الاسلامِ الْيَوْم تحتاجُ إلى أن تراجعَ هذه النصوصَ الشرعيةَ لتجدَ السبيلَ للخروج مِمَّا هي فيه من أزماتٍ وفتنٍ يرقق بعضها بعضا، فـ (قد أحاطت هذا الزمانَ وأهلَه فتنٌ كثيرةٌ لا تحصى، خصوصًا ذهاب دولة الاسلام، وحكومة الايمان، وغربة الدين، وفشو البدع والمضلين، وقلة العلم، وكثرة الجهل، وإيثار الخلق عَلَى الحق، والعاجلة عَلَى الآجلة، وترك الغزو، والقنوع بما في أيدي النَّاس، والانهماك في أمر المعاش، والإعراض عن المعاد، وكثرة التحاسد، والمفاسد التي أسرت أفراح القلوب، وشقت قلوبَ المؤمنين قبل الجيوب، فأصبحوا في حال يعدون المنايا أمانيا، ويرون لضعف الدين ووهن اليقين الْمَوْت طبيبًا شافيًا، إذا عثرت خيول الفتن والنقم، وولت جنود الدعة والنعم، وصارت الدُّنْيَا كلها آفات وبلايا، وكم في الزوايا من رزايا) [2] .
ومن الرزايا ما نراه من كتابات تخرج بين الفينة والأخرى قد اتخذت من نصوص الفتن والأشراط والملاحم مرتعًا خصبًا لعبث العابثين وظنون المتخرصين، يقولون ما لا يعلمون، ويهرفون بما لايعرفون، في كهانة مقنعة تلبس لبوس النص، والنص ينادي عَلَيْها بالبراءة، قد رسموا صورة الحاضر والمستقبل بما جادت به عقولهم المريضة، ثُمَّ حاولوا أن يجعلوا من تلك النصوص أصباغًا يلونون بها تلك الصور فأساؤوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، بل إنه هروب اليائس المحبط من واقعه إلى عالم من الأحلام والأماني يعيش فيه ويتعلل به مِمَّا هو فيه، يحسب أنه بذلك قد صنع شيئًا. فلا تولِ وجهَك شطرَ هذه المقالات والتي بمضمونها تخرج عن النصوص الصحيحة التي تضبط المفهوم الحقيقي للفتنة من حيث الزمان و المكان فهم تارة يؤولون النصوص و يحملوها ما لا تحتمل بحيث تأتي
(1) التذكرة للقرطبي (2/ 732) .
(2) الاذاعة 218