ولربما يود أن يقاطعني أحد عُلماء القدريين فيقول:
ألم يقل الله تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [1]
ويقصد بذلك أعمال السوء في الكتاب المبين الخاص برب العالمين ومن ثم نردعليه ونقول أن القدر هو تقدير أحكام من الرب في الكتاب بسبب علمه بما سوف يعمله عبيده ويعلم علام الغيوب أعمالكم فكتب ما سوف تفعلون وليس أن علم السوء هوالقضاء والقدر سبحان رب العالمين بل القضاء والقدر هي الأحكام التي حكم بها على أصحاب فعل السوء ويعلم علام الغيوب أن عبده فلان سوف يفعل من السوء كذا وكذا ثم كتب ذلك في علم الغيب عنده في الكتاب المبين كتاب علام الغيوب ثم قدّر حكمه على عبده من غير ظلم بل بسبب علمه ماسوف يفعله عبده من السوء الذي علمه من قبل أن يخلق عبده وليس أن الله قدّر عليه عمل السوء بل علم الله ما سوف يعمله عباده من السوء ثم دوّنه في كتابه ثم قدّر الأحكام عليهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ولكن الله جعل فارق زمني بين علمه بحدث السوء وبين القضاء والقدر فجعل هناك فارق زمني ما يشاء قبل أن يصيبه بحكم القضاء بقدر مقدور وذلك لعله يستغفر ويتوب قبل مجيئ قدر القضاء لحكمه بالمصيبة ..
وذلك تصديقًا لقول الله تعالى): وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [2] ..
كون العبد ولو عمل سوء ثم استغفر وتاب و أناب إلى الرب ليغفر ذنبه ويهدي قلبه فلن يصيبه الله بحكم القضاء والقدر عليه بالمصيبة بل سوف يبرئ الله حكم المصيبة المقدرة في الكتاب فلا تصيبه بسبب توبته من بعد فعل السوء فيبدلها بحكم حسنة العفو والمغفرة على عبده بسبب أنه أناب من قبل أن يأتي القدر الزمني لقضاء حكمه على عبده بالمصيبة في نفسه أو أي مصيبة مادية يقدرها عليه فلن تصيبه فيمر قدرها المقدور في الكتاب المسطور فلا يتحقق من المصيبة شيئ والسبب كون الله أبرأها من الكتاب بسبب أن عبده من بعد أن فعل السوء استغفر الله وتاب وأناب فتاب الله عن الخطائين الذين تابوا وأنابوا وقالوا كما وصف الله قولهم ..
فقال تعالى (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [3] ... ..
ومن ثم يغفر الله لهم خطأهم ويغفر الله لهم ما عملوه من السوء كونهم استغفروا الله وأنابوا إليه وتابوا من قبل أن يأتي القضاء والقدر عليهم بحكم المصيبة الحق من غير ظلم ولم يأتي القضاء والقدر إلا وقد أبرأ الله حكمه حتى لا يصيبهم به كون القضاء والقدر لن يصيبهم بالمصيبة في أنفسهم أو في أموالهم إلا إذا جاء قدر قضائها وهم لم يستغفروا ربهم ويتوبوا إليه
تصديقًا لقول الله تعالى) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [4] ... ..
وتلك المصيبة هي المقصود بالقضاء والقدر في الكتاب وهي أحكام الله بالمصائب على عبيده بالحق من غير ظلم بقدر مقدور في الكتاب المسطور ولكن سبحان ربي الذي من رحمته جعل
(1) الكهف:49
(2) الأنفال:23
(3) البقرة:286
(4) الحديد:22