ومن شاء أخذ بالأول ومن شاء أخذ بالآخر ونجد بأن الآية صار لها حكمان مع عدم التبديل لحكمها السابق بل حكم مثله
وقال الله تعالى (( ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ) ) [1] ... ..
وهنا تلاحظون بأن الحكم الأول لم يتم تبديله بل جاء حكم مثله ويجوز الأخذ بأحدهم ولأحدهم أجر كبير وهو الأول فإذا لم يفعلوا ما أمرهم الله به من تقديم الصدقة وتاب عليهم إذا لم يفعلوه فلا نجد الحكم الأخير قد نفى الحكم الأول بل أصبح للآية حكمان ويأخذ بأي منهم مع إختلاف الأجر للذين سوف يدفعون صدقة عند النجوى وذلك هو معنى قوله تعالى (( أَوْ مِثْلِهَا ) )فى قوله تعالى:
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) [2]
أي يجعل لها حكمان ولم يغير حكمها السابق وعجيب أمر أهل اللغة فهم يعلمون بأن النسخ صورة طبق الاصل من شياء آخر وهذا ما أعلمه في اللغة العربية ولكنكم جعلتم النسخ هو التبديل ولكن التبديل واضح في القرآن ولم يقل أنه النسخ
بل قال الله تعالى (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ) ) [3] ... .
وهنا التبديل لحكم الآية بحكم آخر مع بقاء حكمها السابق في الكتاب ولا يجوز الأخذ به على الإطلاق بل الأخذ بحكمها الجديد وذلك معنى قوله تعالى:
(نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا)
وحكم التبديل دائم يأتي من أخف إلى أثقل في نظر المؤلفة قلوبهم ولكن هذا الحكم خير للأمة من الحكم السابق برغم أنه يأتي من أخف إلى أثقل .. وأما الأحكام التي تأتي للإضافة للحكم السابق وليس للتبديل بل يصبح للآية حكمان ويأخذ بأي منهم مع إختلافهم في الأجر فدائما"تأتي من أثقل إلى أخف فيكون حكمان للآية أحدهم ثقيل وهو الأول والآخر تخفيف مع بقاء حكمها الثقيل الأول لمن أراد الأخذ به كمثال قوله تعالى:"
(( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا"من الذين كفروا ) ) [4] "
ولكن هذا الحكم ثقيل على الذين في قلوبهم ضعف باليقين بأن العشرين سوف يغلبون مائتين وهذا يتطلب يقين من هؤلاء العشرين المقاتلين وحتما"سوف يغلبوا مائتين ومن ثم جاء لآية القتال حكم إضافي إلى الحكم الأول تخفيفا"من الله مع عدم حذف الحكم الأول والذي يستطيع أن يأخذ به أصحاب اليقين ولم يتم تبديله ويأخذ بأي منهم مع إختلاف الأجر والصبر والثقيل وزنه ثقيل في الميزان والحكم الأخف وزنه أخف من الأول في ميزان الحسنات فأما الحكم الثاني للآية والذي لم يأتي تبديل للأول بل حكم مثله وذلك في قوله تعالى:
(الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين ) ) [5] ... ..
ولكنه لم يحرم على العشرين أن يقاتلوا مائتين وإنما جاء التخفيف بسبب ضعف اليقين مع بقاء الحكم السابق لمن أراد الأخذ به
وذلك هو معنى قوله تعالى (أَوْ مِثْلِهَا)
(1) المجادلة:13
(2) البقرة:106
(3) النحل:10
(4) الأنفال:65
(5) الأنفال:66