عبدتموه من دون الله أن تفعلوا .. لذلك فأنتم ظالمون ظلم القمة .. والظلم الآخر هو الظلم فيما شرعت القمة بأن أخذتم حقوق الناس واستبحتموها .. في كلتا الحالتين لا يقع الظلم على الله سبحانه وتعالى ولكن على نفسك. لماذا؟ .. لأنك آمنت بالله أو لم تؤمن. سيظل هو الله القوي القادر العزيز. لن ينقص إيمانك أو عدم إيمانك من ملكه شيئا. ثم تأتي يوم القيامة فيعذبك. فكأن الظلم وقع عليك .. وإذا أخذت حقوق الناس فقد تتمتع بها أياما أو أسابيع أو سنوات ثم تموت وتتركها وتأخذ العذاب. فكأنك ظلمت نفسك ولم تأخذ شيئا .. لذلك يقول الحق جل جلاله
(وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [1] .
وظلم الناس يعود على أنفسهم .. لأنه لا أحد من خلق الله يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى .. وقوله سبحانه"فتوبوا إلي بارئكم".. الحق تبارك وتعالى قال في الآية السابقة"عفونا عنكم"ثم يقول هذه الآية"فتوبوا إلي بارئكم".. لأن التوبة هي أصل المغفرة. أنت تتوب عن فعلك للذنب وتعتزم ألا تعود لمثله أبدا ويقبل الله توبتك ويعفو عنك .. وقد كان من الممكن أن يأخذهم الله بهذا الذنب ويهلكهم كما حدث بالنسبة للأمم السابقة .. أما وقد شرع الله لهم أن يتوبوا فهذا فضل من الله وعفو ثم يقول الحق تبارك وتعالى:"فاقتلوا أنفسكم".. فانظروا إلي دقة التكليف ودقة الحيثية في قوله تعالى:"فتوبوا إلي بارئكم فاقتلوا أنفسكم"
الله سبحانه وتعالى يقول لهم .. أنا لم أغلب عليكم خالقا خلقكم أو آخذكم منه .. ولكن أنا الذي خلقتكم. ولكن الخالق شيء والبارئ شيء آخر .. خلق أي أوجد الشيء من عدم .. والبارئ أي سواه على هيئة مستقيمة وعلى أحسن تقويم .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى (الذي خلق فسوى(2) والذي قدر فهدى " (3) [2] ومن هنا نعرف أن الخلق شيء والتسوية شيء آخر .. بارئكم مأخوذة من برئ السهم .. وبرئ السهم يحتاج إلي دقة وبراعة. وقوله تعالى:"فاقتلوا أنفسكم"لأن الذي خلقك وسواك كفرت به وعبدت سواه. فكأنك في هذه الحالة لابد أن تعيد له الحياة التي وهبها لك .. وعندما نزل حكم الله تبارك وتعالى .. جعل موسى بني إسرائيل يقفون صفوفا. وقال لهم أن الذي لم يعبد العجل يقتل من عبده .. ولكنهم حين وقفوا للتنفيذ .. فرحمهم الله بأن بعث ضبابا يسترهم حتى لا يجدوا مشقة في تنفيذ القتل .. وقيل أنهم قتلوا من أنفسهم سبعين ألفا. وعندما حدث ذلك أستصرخ موسى وهارون ربهم .. وقالا البكية البكية. أي أبكوا عسى أن يغفر الله عنهم. ووقفوا يبكون أمام حائط المبكى فرحمهم الله .."
وقوله تعالى:"فاقتلوا أنفسكم"لأن هذه الأنفس بشهوتها وعصيانها .. هي التي جعلتهم يتمردون على المنهج .. إن التشريع هنا بالقتل هو كفارة الذنب. لأن الذي عبد العجل واتخذ إلها آخر غير الله. كونه يقدم نفسه ليقتل فهذا اعتراف منه بأن العجل الذي كان يعبده باطل .. وهو بذلك يعيد نفسه التي تمردت على منهج الله إلي العبادة الصحيحة .. وهذا أقسى أنواع الكفارة .. وهو أن يقتل نفسه إثباتا لإيمانه .. بأنه لا إله إلا الله وندما على ما فعل وإعلانا لذلك .. فكأن القتل هنا شهادة صادقة للعودة إلي الإيمان.
وقوله تعالى"ذلكم خير لكم عند بارئكم".. أي أن هذه التوبة هي أصدق أنواع التوبة .. وهي خير لأنها تنجيكم من عذاب الآخرة ..
وقوله سبحانه"فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم". التوبة الأولى أنه شرع لكم الكفارة .. والتوبة الثانية عندما تقبل منكم توبتكم وعفا عنكم عفوا أبديا ..
(1) البقرة:57
(2) الأعلى:3:2