فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 343

لنزول حكمها الثابت (نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْها) وذلك حين نزول الآية بحُكمها الأصلى والثابت من ام الكتاب وأصل هذا الدين الحنيف غير أنها تأتي محولة الآية من أخف إلى أثقل في نظر المؤلفة قلوبهم ولكنها في الواقع خيرًا لهم من الحكم السابق والمؤقت كمثل قوله تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) [1]

ومن ثم نزل الحكم الام والثابت الذي لا يُبدل أبدا في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) [2]

والإجتناب هُنا من اشد انواع التحريم لدرجة أنكم تجتنبوا الحانات حتى لا توسوس لكم أنفسكم بشرب الخمر من بعد تحريمه وهنا تم تبديل حكم الآية بحكم أخر وهو الحكم الثابت الذي أخره الله من قبل حكمة منه تعالى مع بقاء الحكم السابق المُبدل فبقى لفظه ولا يأخذ بحكمه أبدا من بعد التبديل ومن ثم نأتي لقوله تعالى (أَوْ مِثْلِهَا) وهنا يتنزل للآية حُكم أخر مع بقاء حكمها السابق ولاكنهما يختلفان في الأجر كمثال قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إذ ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ) [3]

وكان من أتى إلى رسول الله ليناجيه في أمر الدين فيقدم صدقة إلى بيت مال المُسمين وفي ذلك حكمة من الله للذين يضيعون وقت رسول الله اهدارا له وكان محمد رسول الله من تأدبه أن لا يقاطع حديث المُتكلم حتى ينتهي من حديثه ولكن لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ولكن أهل الدنيا والمنافقون سوف يصمتون فلا يتكلمون حتى لا يقدموا بين يدي نجواهم صدقة وأما أهل الأخرة فلا يزيدهم ذلك إلا إيمانا وتثبيتا ولكنه يعز عليهم إذا لم يجدوا ما يقدموا فيصمتوا ولو تكلموا لقالوا خيرا ومن ثم جاء حُكم أخر لهذه الآية مع بقاء حكمها السابق ومن شاء أخذ بالاول ومن شاء أخذ بالأخر ونجد بأن الآية صار لها حكمان مع عدم التبديل لحكمها السابق بل حكم مثله

وقال الله تعالى (( ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ) ) [4]

وهنا تلاحظون بأن الحكم الأول لم يتم تبديله بل جاء حكم مثله ويجوز الأخذ باحدهم ولأحدهم أجركبير وهو الاول فإذا لم يفعلوا ما أمرهم الله به من تقديم الصدقة وتاب عليهم إذا لم يفعلوه فلا نجد الحكم الأخير قد نفى الحكم الاول بل أصبح للآية حكمان ويأخذ بأي منهم مع إختلاف الاجر للذين سوف يدفعون صدقة عند النجوى وذلك هو معنى قوله تعالى (( أَوْ مِثْلِهَا ) )أي يجعل لها حكمان ولم يغير حكمها السابق وعجيب أمركم يا أهل اللغة فأنتم تعلمون بأن النسخ صورة طبق الاصل من شاء اخر وهذا ما أعلمه في اللغة العربية ولكنكم جعلتم النسخ هو التبديل ولكن التبديل واضح في القرآن ولم يقل أنه النسخ بل قال الله تعالى:

(وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ) ) [5]

وهنا التبديل لحكم الآية بحكم أخر مع بقاء حكمها السابق في الكتاب ولا يجوز الأخذ به على الإطلاق بل الأخذ بحكمها الجديد وذلك معنى قوله تعالى (نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) وحكم التبديل دائم يأتي من أخف إلى أثقل في نظر المؤلفة قلبوهم ولكن هذا الحكم خير للأمة من الحكم السابق برغم أنه يأتي من أخف إلى أثقل. وأما الاحكام التي تأتي للإضافة للحكم السابق وليس للتبديل بل يصبح للآية حكمان ويأخذ بأي منهم مع إختلافهم في الأجر فدائما تأتي من أثقل إلى أخف

(1) النساء:43

(2) المائدة:90

(3) المجادلة:12

(4) المجادلة:13

(5) النحل:101

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت