فهرس الكتاب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في"مجموع الفتاوى"10/ 735:
"إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتا عظيما، ومثل هذا الحديث الذي في حديث: المرأة البغي التي سقت كلبا فغفر الله لها، فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة إذ ذاك ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:"إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة"."
فسمّى النبي صلى الله عليه وسلم زمان غربة الدين وأهله بأيام الصبر، فخص المتمسّك فيهن بالأجر على شدة التمسك، لأن الإمساك يكون برفق بخلاف التمسك، لأنه متمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا دين مبتدع من أديان ملفقة، ولا دين مرقع، أو مُميّع، فحين كثُر الشر والفساد، وظهرت البدع والفتن، كان أجر المتمسك بالسنة أعظم، ومنزلته أعلى وأكرم، لأنه يعيش غربة الدين بما يحمل من نور وسط ذلك الظلام، وبسبب ما يسعى من إصلاح ما أفسد الناس، ثم إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجدون على الخير أعوانا، والمتمسك في أيام الصبر قد لا يجد على الخير أعوانا، بل ربما كان محاربا مطاردا متهما منبوذا لتمسكه بدينه، كما هو الحال اليوم في أكثر البلاد، فإنك لا تكاد تنهى عن منكر أو ضلالة إلا قالوا لك: متشدد ورموك عن قوس واحدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وكل ذلك بسبب ما آل إليه حال أكثر المنتسبين إلى الإسلام والمسلمين من ضياع وتشتت لبعدهم عن المنهج الذي ارتضاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأقول: لا تلتفت إلى مَنْ يُخَذِّلك أو من يحقرك أو يستهزئ بك، فقل كلمتك وامضِ فإن الله ناصِرُ دينَه ومظهره ولا بد.
ولما ذكر الذهبي عمر بن عبد العزيز في"سير أعلام النبلاء"5/ 120، قال: