أي: أشهد أن هذا الفقير المبتذل خير من ملء الأرض من الرجل الذي قلتم عنه إنه لحري إذا تكلم أن يسمع، وإذا نكح أن ينكح، لأن المفاضلة بين الخلق في الدنيا والآخرة إنما هي بتقوى الله عز وجل وبقوّة يقين العبد بربه، فكان هذا من عباد الله المخلصين، وإن الكرامة عند الله سبحانه وتعالى بالتقوى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، لا أغناكم، ولا أكثركم أولادًا، ووجاهة، ولا نسبا، إنما الخيرية في الدنيا والآخرة متعلقة بتقوى المرء وحسن عبادته، وإن الله تعالى يكرم العباد كما قال صلى الله عليه وسلم: (رب رجل أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) أي: رب رجل أشعث أغبر لو أنه ذهب إلى قوم لدفعوه عن بابهم، وعن بيتهم، لا يريدونه، لأنه معرة بالنسبة لهم.
أيقال: فلان المبتذل الفقير دخل عند فلان؟! هذا العبد عنده بين جنباته من الإيمان والتقوى ما يزن الجبال، ولذلك فضله الله تعالى على كثير من العباد، وجعل له كرامة وعلامة تدل على تقواه وهي: (أنه لو أقسم على الله لأبره) .
وهذا العبد عيشه عيش الفقراء وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فإن سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم كان عيشه عيش الفقراء، كأكثر الأنبياء والصديقين والصالحين.
قال الحافظ في"الفتح"11/ 278:
"السيادة بمجرد الدنيا لا أثر لها وإنما الاعتبار في ذلك بالآخرة كما تقدم أن العيش عيش الآخرة وأن الذي يفوته الحظ من الدنيا يعاض عنه بحسنة الآخرة ففيه فضيلة للفقر كما ترجم به ...".