وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنا فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصي النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين، فأحدهما: أن يترك المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة لكن في بلد غربة فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه، قال الفضيل بن عياض: المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه مرمة جهازه.
ومن كان في الدنيا كذلك فلا هم له إلا التزود بما ينفعه عند العود إلى وطنه فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم ولا يجزع من الذل عندهم.
قال الحسن: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها له شأن وللناس شأن.
لما خلق الله آدم عليه السلام أُسكن هو وزوجته الجنة ثم أهبط منها ووعد بالرجوع إليها وصالحوا ذريتهما فالمؤمن أبدًا يحن إلى وطنه الأول وحب الوطن من الإيمان كما قيل:
كم منزل للمرء يألفه الفتي وحنينه أبدًا لأول منزل"."
وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليترك أصحابه دون أن يبيّن لهم ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن في الدنيا، ودون أن يحذّرهم من الركون إليها، فهو الناصح الأمين بحق، فإنه يتخوّلهم بالموعظة، ويضرب لهم الأمثال.