فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 336

وانظر كيف شبّه النبي صلى الله عليه وسلم مقام المؤمن في الدنيا بحال الغريب، فإنك لا تجد في الغريب ركونا إلى الأرض التي حل فيها أو أُنسا بأهلها، ولكنه مستوحش من مقامه، دائم القلق، لم يشغل نفسه بدنيا الناس، بل اكتفي منها بالشيء اليسير الذي يتبلّغ به إلى وطنه الأصلي، ولقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم غربة المؤمن في هذه الدنيا، والتي تقتضي منه التمسّك بالدين، ولزوم الاستقامة على منهج الله تعالى، المنهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليه أئمة الهدى في كلّ زمان ومكان، لا يصده عنه شيء، ولا يغرّه فساد أكثر الناس، فإن أكثرهم حادوا عن الطريق، فصاحب الاستقامة له هدف يصبو إليه، وسالك الطريق لا يوهنه عن مواصلة المسير تخاذل الناس، أو إيثارهم للدعة والراحة، وهذه هي حقيقة الغربة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء".

فإذا كان المسلم سالكا لطريق الاستقامة، فلا يغرره كثرة المنحرفين عنه، وعلى المؤمن أن يكون حريصًا على قلّة مخالطة مَنْ كان قليل الورع، ضعيف الديانة، فيسلم بدينه الذي هو رأس ماله، فمن فرَّط فيه وعرَّضه للفتن فقد خاب وخسر، ومن حافظ عليه واعتنى به فقد أفلح ونجح، ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:"اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر".

أخرجه مسلم (2720) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الْمُناوي في"فيض القدير"2/ 173:

(اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإن مَن فسد دينه فسدت جميعُ أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت