ولا يُفهم مما سبق أن مخالطة الناس مذمومة بالجملة، أو أن الأصل هو اعتزال الناس ومجانبتهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم".
حديث صحيح - أخرجه أحمد 2/ 43، والترمذي (2507) ، وغيرهما.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة فإنه كان يخالط الناس ولا يحتجب عنهم، وإنما الضابط في هذه المسألة: أن يعتزل المرء مجالسة من يضرّه في دينه، ويشغله عن آخرته، بخلاف من كانت مجالسته ذكرا لله تعالى، وتذكيرا بالآخرة، وتوجيها إلى ما ينفع في الدنيا والآخرة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (كأنك غريب، أو عابر سبيل) في هذه العبارة ترَقٍّ بحال المؤمن من حال الغريب إلى حال عابر السبيل، فعابر السبيل: لا يأخذ من الزاد سوى ما يكفيه مؤونة الرحلة، ويعينه على مواصلة السفر، لا يقر له قرار، ولا يشغله شيء عن مواصلة السفر، حتى يصل إلى أرضه ووطنه.
قال داود الطائي:
"إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة، حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عما قريب، والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك".
وهكذا يكون المؤمن، مقبلا على ربه بالطاعات، صارفا جهده ووقته وفكره في مرضات الله تعالى، ولا تشغله دنياه عن آخرته، قد وطّن نفسه على الرحيل، فاتخذ الدنيا مطيّة إلى الآخرة، وأعد العدّة للقاء ربه.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".
أخرجه الترمذي (2465) ، وغيره، وصححه الشيخ الألباني.
قال محمد بن إسحاق الكلاباذي:
"في الحديث معنيان:"