أحدهما: الترغيب في الزهد في الدنيا والإعراض عنها، والرغبة في الآخرة والإقبال عليها، والتشجيع في ترك الدنيا بمعنى الإنفاق ممن هي في يديه، والإعراض عنها ممن ليست عنده، كأنه صلى الله عليه وسلم، يقول: من أعرض عن الدنيا، وأقبل على الآخرة، رزق الفراغ والتنعم وجمع الشمل، وأتته الدنيا أي: الرفق فيها والمهنأ منها فيكون له المهنأ دون الشغل، والرفق من غير تعب فهو غني وإن عدم القوت، ومن أقبل على الدنيا وأعرض عن الآخرة شغل بما لا يجري، وتعب فيما لا يغني، فتزداد الدنيا عنه بعدا، لأنه لا يصيب منها إلا المقدور، والمقدور لا يغنيه، وإن كثر لغلبة الحرص عليه والتأسف على فوت ما لم يقدر له تعب الطلب، والخيبة في التعب، فهو فقير وإن ملك الدنيا.
والمعنى الآخر: تنبيه وإرشاد في الرجوع إلى الله تعالى، والإقبال على الله، وأنه أسير القدرة سليب القبضة، وإن أفعاله تبع لفعل الله به، وإنها إنما تكون بالله تعالى، فيكون العبد مأخوذا عن أوصافه، ومصروفا عن نظره إلى أفعاله معترفا بعجزه، مقرا باضطراره، عالما بضرورته وافتقاره، كأنه صلى الله عليه وسلم، يقول إنما تكون الآخرة همه من جعل الله الغنى في قلبه وجمع له شمله، لأنه لا يقبل على الآخرة إلا من استغنى عن الدنيا، فإن الدنيا حجاب الآخرة فإذا رفع الحجاب عن بصر القلب رأى الآخرة بعين إيقانه، ومن نظر إلى الآخرة شغل عن الدنيا، صارت مرفوعة منه متروكة عنه، قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فكأني أنظر إلى أهل الجنة، إلى آخر الحديث.
فمن أغناه الله تعالى عن الدنيا بالزهد فيها، والرغبة عنها صارت الآخرة همه، لأن الإنسان حريص، والنفس راغبة، إما ترغب إلى الدنيا أو إلى الآخرة، فإذا حجبت عن الدنيا بالعزوف عنها، والاستغناء منها افتقرت إلى الآخرة، ورغبت فيها.