فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 336

"وممن جنح إلى تفضيل الكفاف القرطبي في"المفهم"فقال جمع الله سبحانه وتعالى لنبيه الحالات الثلاث الفقر والغنى والكفاف فكان الأول أول حالاته فقام بواجب ذلك من مجاهدة النفس ثم فتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حد الأغنياء فقام بواجب ذلك من بذله لمستحقه والمواساة به والإيثار مع اقتصاره منه على ما يسد ضرورة عياله، وهي صورة الكفاف التي مات عليها قال: وهي حالة سليمة من الغنى المطغي والفقر المؤلم، وأيضا فصاحبها معدود في الفقراء لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا بل يجاهد نفسه في الصبر عن القدر الزائد على الكفاف، فلم يفته من حال الفقر إلا السلامة من قهر الحاجة وذل المسألة. انتهى."

ويؤيده ما تقدم من الترغيب في غنى النفس وما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رفعه"وارض بما قسم لك تكن أغنى الناس".

وأصح ما ورد في ذلك ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو رفعه"قد أفلح من هدي إلى الإسلام ورزق الكفاف وقنع".

وله شاهد عن فضالة بن عبيد نحوه عند الترمذي وابن حبان وصححاه.

قال النووي: فيه فضيلة هذه الأوصاف والكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقصان.

وقال القرطبي: هو ما يكف عن الحاجات ويدفع للضرورات ولا يلحق بأهل الترفهات.

ومعنى الحديث أن من اتصف بتلك الصفات حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:

"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا"أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذل المسألة ولا يكون فيه فضول تبعث على الترفه والتبسط في الدنيا وفيه حجة لمن فضل الكفاف لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال وقد قال خير الأمور أوساطها. انتهى.

ويؤيده ما أخرجه ابن المبارك في الزهد بسند صحيح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن ابن عباس أنه سئل عن رجل قليل العمل قليل الذنوب أفضل أو رجل كثير العمل كثير الذنوب؟ فقال: لا أعدل بالسلامة شيئا فمن حصل له ما يكفيه واقتنع به أمن من آفات الغنى وآفات الفقر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت