"فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار، كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخصهم بهذا الرسم أصحاب الحديث، لاختصاصهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه، وحفظهم أنفاسه وأفعاله، فأخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرائعه مشاهدة، وأحكامه معاينة، من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه واصلة، فجاولوها عيانا، وحفظوا عنه شفاها، وتَلَقَّفوه من فيه رطبا، وتلقنوه من لسانه عذبا، واعتقدوا جميع ذلك حقّا، وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقينا فهذا دين أخذوا أوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة، لم يَشُبْهُ لبس ولا شبهة، ثم نقلها العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والصافة عن الصافة، والجماعة عن الجماعة ..."
فهؤلاء الذين تُعُهِّدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنة، فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة، والدعوة لهم من الله بالمغفرة، فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته، وأُمناؤه في تبليغ الوحي عنه، فَحَريٌّ أن يكونوا أولى الناس به في حياته ووفاته، وكل طائفة من الأمم مرجعها إليهم في صحة حديثه وسقيمه، ومعولها عليهم فيما يختلف فيه من أموره.
ثم كل من اعتقد مذهبا، فإلى صاحب مقالته، التي أحدثها يَنْتَسب، وإلى رأيه يستند إلا أصحاب الحديث، فإن صاحب مقالتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم إليه ينتسبون، وإلى علمه يستندون، وبه يستدلون، وإليه يفزعون، وبرأيه يقتدون، وبذلك يفتخرون، وعلى أعداء سنته بقربهم منه يصولون، فمن يوازيهم في شرف الذكر، ويباهيهم في ساحة الفخر وعلو الاسم.