الماضية، كما حدث ذلك في قوم نوح حيث غلوا في الصالحين، قال الله تعالى عن قوم نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [1] لهذا حذر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمته من الغلوِّ فيه حيًّا وميتًا.
أخرج البخاري بسنده عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه -، «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاَعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ» [2] .
قال القرطبي:"قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف، جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم، وأجدادكم، كانوا يعبدون هذه الصورة، فعبدوها، فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك" [3] .
(1) سورة نوح: 23 - 24.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب {ودا ولا سواعا، ولا يغوث ويعوق} [نوح: 23] ، 6/ 106
(3) القرطبي، أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر، الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي الطبعة: الثانية، 1384 هـ - 1964 م، الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة، بتحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، 2/ 58.