... ومنها قوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأسٍ شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرًا حسنًا ، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابًا أليمًا المخاطب بهذه الآية بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل كاسد ، وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك ، ولم يقع فيها إلا القتال ولا الإسلام ، فتعين الغير ، والداعى ليس جناب الرسول عليه الصلاة والسلام لا محالة ، فلابد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم كما في عهد الخليفة الأول لمانعى الزكاة اولًا وأهل الروم آخرًا ، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع . فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد ، ورتب كلا على الإطاعة والمعصية . فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إمامًا ؟ المنصف يعرف ذلك . وقد تخبط ابن المطهر الحلى وقال: يجوز أن يكون الداعى الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوات التى وقع فيها القتال ، ولم ينقل لنا . وإذ فتح هذا الباب يقال كذلك: يجوز عزل الأمير بعد الغدير ونصب ابي بكر وتحريض الناس على أتباعه ، ولم ينقل لنا . فأنظر وتعجب . وقال بعضهم: الداعى هو الأمير ، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين . ويقال فيه: إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لا نتظام أحوال الإمام ، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام
(( إسلام ) )ولمخالفته (( كفر ) ). ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي في حق الأمير أنه قال: إنك يا على تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد قبول تنزيله ، وذلك لا يعقل بدون الإسلام ، بل هو عينه ، فلا يمكن المقاتلة على التأويل على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر .