ومما قالوه أيضًا: كان علي رضي الله عنه أكثر الصحابة جهادًا وطعنًا في الكفار وخبيرًا في الجهاد. والجهاد أفضل الأعمال فكان علي أفضل.
وجوابه:
الأول: قلت: هذا خطأ؛ لأن الجهاد ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
الأول: الدعاء إلى الله عز وجل باللسان.
الثاني: الجهاد بالتدبير والرأي.
الثالث: الجهاد باليد والسنان.
فالقسم الأول: الجهاد بالدعوة فإنه لا يلحق أحد فيه أبا بكر الصديق رضي الله عنه؛ فإنه أسلم على يديه أكابر الصحابة وليس لعلي من هذا كثير حظ.
وأما عمر رضي الله عنه فمن يوم أسلم أعز الله به الإسلام وعبد الله تعالى جهارًا وهذا من أعظم الجهاد، وهذان الرجلان رضي الله عنهما خُصا بهذا القسم لا يشاركهما في ذلك أحد وانفردا بذلك.
وأما القسم الثاني: فقد جعل الله تعالى خاصًّا لأبي بكر رضي الله عنه ثم لعمر رضي الله عنه.
وأما القسم الثالث: وهوالجهاد بالضرب والطعن والمبارزة فوجدناه أقل مراتب للجهاد المذكورة ببرهان ضروري وهوأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشك مسلم في أنه المخصوص بكل فضيلة، ووجدنا جهاده إنما كان في أكثر أعماله وأحواله القسمين الأوليْن من الدعاء إلى الله عز وجل والتدبير والرأي للمصالح، وكان أقل عمله صلى الله عليه وسلم الطعن والمبارزة لا عن جبن؛ بل كان صلى الله عليه وسلم أشجع أهل الأرض قاطبة، وهومما لا يتردد فيه ذودين وعقل ولكنه صلى الله عليه وسلم كان مؤثرًا الأفضل فالأفضل فيقدمه ويشغل به ووجدناه صلى الله عليه وسلم يوم بدر كان أبوبكر رضي الله عنه معه لا يفارقه إيثارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك استظهارًا برأيه في الحرب وأُنسًا بمكانه، ثم كان عمر رضي الله عنه ربما شُورك في ذلك.