وأما قوله: (( الخلاف الرابع: في الإمامة. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذا ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان ) ).
فالجواب: أن هذا من أعظم الغلط، فإنه - ولله الحمد - لم يُسلّ سيفٌ على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين. والأنصار تكلّم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأُسَيْد بن حضير وعبَّاد بن بشر وغيرهما ممن هوأفضل من سعد بن عبادة نفسًا وبيتًا.
فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه قال: (( خير دور الأنصار دار بني النجَّار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير ) ) (1) .
فأهل الدور الثلاثة المفضَّلة: دار بني النجّار، وبني عبد الأشهل، وبني الحارث بن الخزرج لم يُعرف منهم من نازع في الإمامة، بل رجال بني النجّار، كأبي أيوب الأنصاري وأبي طلحة وأبَيّ بن كعب وغيرهم، كلهم لم يختاروا إلا أبا بكر.
وأُسيد بن حضير هوالذي كان مقدّم الأنصار يوم فتح مكة، عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبوبكر عن يمينه، وهوكان من بني عبد الأشهل، وهوكان يأمر ببيعة أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك غيره من رجال الأنصار.
وإنما نازع سعد بن عبادة والحُبَاب بن المنذر وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصدِّيق، ولم يُعرف أنه تخلّف منهم إلا سعد بن عبادة.
وسعد، وإن كان رجلا صالحا، فليس هومعصومًا، بل له ذنوب يغفرها الله، وقد عرف المسلمون بعضها، وهومن أهل الجنّة السابقين الأوّلين من الأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم.
(1) انظر البخاري ج8 ص 17 ومسلم ج4 ص 195 ..