فاشتركت سائر الشرائع بالأخلاق كلها، والعلماء عليهم رحمة الله يقولون: إن ما ينسخ في الشرائع هو الأحكام، وما لا ينسخ فيها العقائد والأخلاق والأخبار، فالفضائل والأخلاق لا تنسخ، فهي باقية من آدم إلى يومنا هذا، فإن الله عز وجل إن فضّل مكانًا أو بقعة بقيت هذه مفضلة إلى آخر الدهر، وإن فضل الله عز وجل تعاملًا وخلقًا كالصدق والأمانة وإماطة الأذى عن الطريق، فإنه فضل على سائر الشرائع، لأن هذه أخلاق مفطور الإنسان عليها، ولذلك يقول الله عز وجل: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة) ، الفطرة: هي الميل إلى حب الخير ونبذ الشر. ولا عبرة بالفطر الشاذة المنحرفة التي تميل عن مواطن الخير ونحو ذلك، وإن كانت لا توجد فطرة شاذة خالصة، فلا بد أن يوجد فيها شيء من بذرة الخير، من حب خير ونحو ذلك وإن كابر الإنسان وجعل من نفسه شاذًا، إلا أنه يوجد لديه بذرة من الفطرة، ولكن هذا لا يعدل الإنسان من دائرة الكفر إلى الإيمان إلا بالعمل الخاص التي اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول العلماء عليهم رحمة الله: إن من أعرض عن العمل بالكلية ولا يعمل، أي: ما اختصت به الشريعة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله ويعرض عن الأعمال التي أتت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أنه كافر بالله، ولذلك حكم الله عز وجل بكفره بقوله سبحانه وتعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:31 - 32] ، فانظر هنا! جعل التكذيب مقابل التصديق، وجعل التولي مقابل الصلاة، قال: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:31 - 32] ، أي: كذب ما يجب عليه تصديقه، وتولى عن العمل الذي مثّل له هنا بالصلاة.