الكامل
وحديقةٌ باكرتُ صفو نعيمها ... والفجر يُبصَرُ من خلال سحابِ
والطلُّ ينظم في الغصون لآلأً ... فيمِلن طوع الحسن والإعجابِ
والروض مبتسم الأسِرَّةِ ضاحكٌ ... كزمان وصل بعد طول عتابِ
والريح تسحبُ ذيلَ كل خميلة ... تهدي الأنوف روائح الأحبابِ
تبكي نواعره بملء جفونها ... لمطَّرد في سكبها كحبابِ
والطير تصدحُ والنسيم قد انبرى ... والنهر يصفق من غناء ربابِ
والشرق ملتئم بفضلة سُدفة ... يحكي لشارب طر فوق عذابِ
والليل مُمتزق الأديم كأنه ... آثار كحل في جفون كَعابِ
والشمس تُلبسه مَجاسِد عَسجد ... وتُرصِّع التَّفضيض بالأَذهاب [1]
في وصفه لطبيعة غرناطة التي شبهها بقطعة من الجنة، استخدم الصور الشعرية من تشبيه واستعارة وجناس وطباق؛ لم يترك يوسف الثالث من غرناطة شيئا إلا ووصفه، فوصف تربتها وسماءها وطيرها ونباتها وناعوراتها، وليلها ونهارها .. في دلالة على أن غرناطة كانت تملأ عليه نفسه وقلبه.
جاء وصف يوسف الثالث كما رأينا"أجود الوصف لأنه يستوعب أكثر معاني الموصوف، حتى كأنه يصوِّرُ الموصوفَ لك فتراه نصْبَ عينيك" [2] ؛ وجمال تلك القصيدة يعجز عنه الشرح في بعض أسطرٍ، فنشير فقط إلى نذر يسير من بعض جماليات القصيدة؛ ففي البيت الأخير وصَفَ يوسف الثالث بزوغَ الفجر وإشراق الشمس بأشعتها الذهبية التي تملأ الآفاق، وكأنها تُلبس الليلَ ثيابا موشحة بخيوط
(1) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 8، 9
(2) - العسكري، مرجع سابق، ص 128