استطاع يوسف الثالث أن يصور بوضوح خواطره وتأملاته الفكرية، وأن يبدع في صياغة فلسفته؛ وكان لسنوات سجنه أبلغ الأثر في تشكيل فلسفته ونظرته للحياة بشكل عام؛ ثم ابتلائه بفقد الأهل والولد، كل هذا أسهم في خلق شعور قوي بعدم الثقة في الأيام؛ فغلب عليه ذلك الشعور، وكان ملمحا واضحا وموجودا في جُلِّ قصائده، يوازي هذا الملمح ويكاد يجتمع معه؛ الرضى والثقة في الله.
فمن قصيدة له قدم لها قائلا:".. في أحداث الزمان، وتنبيه المغتر منها بالأمان":
البسيط
يا غافلا غرّه ما جرّه الزمن ... هُديت إنّ الليالي كلها مِحَنُ
لا تغترر بسرور زائل فله ... بعد السرور إذا دبرته حَزَنُ
كم قد أهان عزيزا بعدَ عِزته ... وكم أعزَّ ذليلا وهو ممتهنُ [1]
بدأ القصيدة بتوجيه الخطاب (يا غافلا) وفي هذا تنبيه قوي وقرع لأذُن المتلقي الذي أمِن جانب الأيام، أو رأى منها إقبالا؛ فالدنيا دائمة التقلب والتغير، فالسرور يتبعه الحزن، والمرح يردفه الترح؛ ويدلل على تقلب الأيام وغدرها قائلا: كم من عظماء أذلتهم، ووضعاء رفعتهم؛ فوجب أن يكون الإنسان منها على حذر، وأن يأخذ منها العبَر.
وفي السياق نفسه يختم القصيدة بالفكرة الرئيسة ويهدئ من روع المتلقي ويطمئنه أنّ مهما طالت الشدة لابد لها من زوال، وأن بعد الضيق فرجا، وأن المنحة مع المحنة قائلا:
هي الليالي فلا تيأس لشدتها ... فكم رزايا غدت في طيِّها مِنَنُ
من يقرأ الأبيات الأولى تتسرب إليه نظرة سوداوية للحياة، إلا أن البيت الأخير قد أزال كثيرا من الظلال السوداء التى ملأت فضاء القصيدة ببثِّه الأمل وانتظار الفرج والثقة في المستقبل.
"وفي الثقة بالرب المستعان":
(1) - المرجع السابق، ص 195