الشعر وصفٌ قولا واحدا، فالوصف مع فنون الشعر مشتبك، وعنها لا ينفك، وفي أكثرها غالب متمكن، ومن هنا قيل إن الشعر وصف.
فالشاعر - أي شاعر - في أية قصيدة إنما هو يصف حالة شعورية مر بها وحركت مشاعره، فعندما يتغزل في محبوبته فهو يصفها ويصف الحب ولوعته، والشوق وناره، والليل ووحشته، وعندما يرثي فقيدا هو أيضا يصف الفقيد ويصف حالة الحزن التي يعيشها كما يصف الفراق وألمه والفقد ووجعه، وعندما ينظم شاعرٌ خمرية نجده يصفها: لونها وصفاءها وطعمها فهو في الوصف غارق أنّى ذهب.
ويمكن أن نصنف إلى بعض الموضوعات التي طرقها الشعراء والكتُّاب وصفا؛ فكان وصف الطبيعة والبيئة، والتشبيب بالحبيبة، ووصف المعارك والحروب وإظهار الشجاعة والإقدام، ووصف الخمر المسمى بالخمريات، إلى غير ذلك وهو كثير.
تناول يوسف الثالث في وصفه موضوعات عديدة متنوعة؛ فوصف مدينة غرناطة، ووصف طبيعتها الغنّاء، ووصف أباه، وحبيبته، كما وصف المعارك والحروب، وأخيرا وصف نفسه وصفاته.
ليس غرناطة فقط التي تفجرت جمالا، بل الأندلس كلها وكأنها أخذت من كل بلد أجمل ما فيه"فقال عنها أبو عبيدة البكري: الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في معظم جبايتها، صينية في جوهر معادنها .." [1] ؛ فأخذ الشعراء يُظهرون هذا الجمال وذاك السحر في صور مختلفة من الجمال اللفظي، بعد أن امتلأت نفوسهم وأعينهم بجمال الطبيعة؛ فانتقوا الأساليب الرقيقة والألوان الزاهية والتراكيب العذبة، ونسجوها بزخرف البديع، ووشّوها بالصور والخيال والتشبيه، وازدحم شعرهم بصور متنوعة ملونة تمثل البيئة الطبيعية في تلك الجنة المسماة بالأندلس،"ويبدو أن الشعراء الأندلسيين عندما يسمعون تغريد الطيور كانوا يجدون في ذلك صورة تحرك مكامنهم ونغمة تهز قلوبهم وتشدهم إلى التناغم مع الطيور فيأتي شعرهم صورة صوتية للأغاريد العذبة" [2] ؛ ومن جميل الوصف قول يوسف الثالث في غرناطة:
(1) - المقري، نفح الطيب، مرجع سابق، 1/ 126
(2) - خلف، نافع محمود، اتجاهات الشعر الأندلسي إلى نهاية القرن الثالث الهجري. د. ط، (بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1990) ، ص 193