رأينا كيف تبدلت حاله بعد فقده أبيه العز والسند، فالبؤس حل محل النعيم، والسجن محل القصر، والبكاء محل الضحك واللعب؛ فحُقّ له أن تذهب نفسه عليه حسرات، وأن يتقطع قلبه وجدا عليه، وأن يذهل عقله من فقده أبيه.
قصائد الحنين عند يوسف الثالث عبّرت عن تجربة إنسانية عميقة، مشحونة بالطاقة الشعرية النابعة من قوة التجربة وشدة معاناته خلال سنوات الأسر، وكان الزمن الماضي هو المهيمن على جو القصيدة بما يحمله من دلالة على عدم استمرار النعيم الذي ولّى؛ فيحاول أن يستجلب ذلك النعيم فِكرا وشعرا حيث لا يستطيع جعله واقعا، وبالفعل ينجح في استحضار ملامح الحدث القديم وتجسيمه أمامنا؛ فكان الحنين إلى ذلك الماضي على مستوى الزمان والمكان، وما فيه من تحسّر وتفجّع ممتزج بالرجاء حينا وباليأس حينا آخر؛ هذا كله يُظهر لنا نفسيتة الممزقة التي يتصارع فيها الماضي والحاضر بتناقضاتهما، وثالثة الأثافي عدم ثقته في المستقبل، ومتى سينتهي ذاك الكابوس؛ وقد نظم يوسف الثالث في الشوق إلى الوطن، والوالد، والحبيبة، وعلماء أمَّته كذلك.