اعتنى حذاق الشعراء بحسن الابتداء، فإذا كان الابتداء"حسنا بديعا، ومليحا رشيقا، كان داعيةً إلى الاستماع لما يجيء بعده من الكلام" [1] .
وزاد المتأخرون على حسن الابتداء أنهم شرطوا في"براعة الاستهلال"أن يكون"مطلع القصيدة دالا على ما بُنيت عليه، مشعرا بغرض الناظم من غير تصريح، بل بإشارة لطيفة تَعذب حلاوتها في الذوق السليم، ويُستدل بها على قصده من عتب أو تنصل أو تهنئة، أو مدح أو هجو" [2] .
وفي كثير من قصائد الديوان نجد أن يوسف الثالث قد وافق رأي المحدثين حين ابتعد عن المقدمة، حين بدأ قصائده بالغرض مباشرة في حسن ابتداء وبراعة استهلال، وهذا تبعا للغرض الذي يتناوله؛ وفي بعض القصائد يبدأ بمقدمة تَشي بما سيتناوله من موضوعات في قصيدته.
ونراه يميل في أغلب قصائده إلى البدء بموضوع القصيدة مباشرة؛ يظهر ذلك جليا في الرثاء الذي يبدي من المشاعر الصادقة الحقيقية ما لا يتحمل كتمه، مثل قصيدته التي يرثي فيها وليده يقول في مطلعها:
السريع
أَضرَم عبدُ الله جمرَ الأسى ... في القلب لمّا لم يَلُح بالحمى [3]
بدأ يوسف الثالث بالغرض، مباشِرا له ألا وهو رثاء ابنه وقرة عينه بلا مقدمة طللية أو تهيئة غزلية؛ فالموقف شديد، والخطب جلل، والنار التي تهيج بقلبه أسى وأسفا لا تعطيه فرصة لأي غرض آخر، ولا تمهله ليقدم لحالته الشعورية.
ومن براعة الاستهلال عند يوسف الثالث: أسلوبه في المقدمة التي تشير من طرف خفي إلى ما بُنيت عليه القصيدة من غرض، كما رأينا، وفي مطلع قصيدة رثاء أخرى يقول:
(1) - طبانة، بدوي، معجم البلاغة العربية، ط 3، (الرياض، دار الرفاعي، 1988) ، ص 164
(2) - المرجع السابق، ص 70
(3) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 124