اتخذ الرثاء في الأندلس نفسَ شكل الرثاء في المشرق من وصف للمصيبة، وتعديد لمناقب الفقيد، وسار الرثاء سيرته الأولى في استهلال القصائد بالحِكَم، وختمها بالعبر والعظات؛ إلا أنه ظهر شكل جديد من الرثاء في الأندلس هو رثاء المدن والممالك؛"فهو الغرض الأندلسي الذي نبعت سماته وأفكاره من طبيعة الاضطراب السياسي في الأندلس، وكان مجال إبداعٍ في الشعر الأندلسي" [1] ، فقد أوجدته وأذكت شرارته الظروف السياسية التي مرت بها الأندلس؛ لذا فربما كان أفضل أن يندرج هذا القسم تحت الشعر السياسي لما بينهما من وثيق صلة.
التجارب الشعورية التي يعيشها الشاعر هي المفجر لقريحته الأدبية والمحرك لعواطفة الساكنة، فتدفعه دفعا لا شعوريا في أغلبه لكي يرسم لنا بكلماته نظما يعبر فيه عما يجيش بصدره، وكلما قويت تلك التجربة الشعورية أبدع وتفنن في نظمه، وليس هناك أقوى ولا أشد على الإنسان من موت حبيب أو قريب أو صديق، لذا فكان الرثاء من أصدق الفنون الشعرية مشاعرا وأشدها عاطفة.
ونجد هذا الفن منتشرا في ديوان يوسف الثالث من خلال قصائد كثيرة متعددة رثى فيها والده الشفوق المثل والقدوة، أو زوجته السّكن والدفء، أو ولده الرضيع اللطيم، أو أخويه عزه وسنده، أو صهره القائد المجاهد، أو الصديق الوفي الصدوق.
رثاء والده
رثى يوسف الثالث والده في أكثر من قصيدة؛ فموت الوالد بمثابة فقد الدرع الحامي الذي يتقي به من الأذى؛ وهذا الشعور قد عاشه يوسف الثالث؛ فبمجرد أن مات أبوه انقض عليه أخوه الأصغر وانتزع منه الملك وألقاه في السجن؛ فكان الشوق إلى الأب أشد ما يكون، وكان البكاء عليه أحر ما يكون.
فيقول في قصيدة من أوائل ما نظم في أيام السجن أو"أيام الوحشة"كما كان يسميها:
(1) - الشكعة، مصطفى، الأدب الأندلسي: موضوعاته وفنونه، ط 9، (بيروت، دار العلم للملايين، د. ت) ، ص 437