ذلك لبنًا خالصًا من الكدر سائغًا للشاربين للذته يبقى ويغذي، فهل هذه إلا قدرة إلهية لا أمور طبيعية. فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين؟ وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد، ومصالح من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريًا ونضيجًا وحاضرًا ومدخرًا وطعامًا وشرابًا ...
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) : عن الله كمال قدرته؛ حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة، وعلى شمول رحمته؛ حيث عم بها عباده ويسرها لهم، وأنه الإله المعبود وحده حيث إنه المنفرد بذلك.
وفي خلق هذه النحلة الصغيرة التي هداها الله هذه الهداية العجيبة (11) ، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها وهدايته لها، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة. فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعى سواه» (12) .
11 -نعمة الأزواج والأولاد والحفدة والرزق من الطيبات:
يقول الله عز وجل: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (النحل:72) .