فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 420

ونسب الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة مع إضافتها إليه؛ لأنه هو وليها ومسديها إليهم، وهم محل محض لنعمه قابلين لها؛ ولهذا يُقال في الدعاء المأثور للمسلمين (واجعلهم مثنين بها عليك قابليها وأتمَّها عليهم) .

وأما الدين فلما كانوا هم القائمين به الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبه إليهم، فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ، وكان الكمال في جانب الدين والتمام في جانب النعمة. واللفظتان وإن تقاربتا وتوازنتا، فبينهما فرق لطيف يظهر عند التأمل؛ فإن الكمال أخص بالصفات والمعاني ويطلق على الأعيان والذوات، وذلك باعتبار صفاتها وخواصها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد» (27) . وقال عمر بن عبدالعزيز: «إن للإيمان حدودًا وفرائض وسننًا وشرائع؛ فمن استكملها فقد استكمل الإيمان» ، وأما التمام فيكون في الأعيان والمعاني، ونعمة الله أعيان وأوصاف ومعانٍ. وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه، فكانت نسبة الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة أحسن كما كانت إضافة الدين إليهم والنعمة إليه أحسن. والمقصود أن هذه «النعمة» هي النعمة المطلقة، وهي التي اختصت بالمؤمنين. وإذا قيل ليس لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو صحيح.

2 -النعمة المقيدة:

والنعمة الثانية: النعمة المقيدة؛ كنعمة الصحة، والغنى، وعافية الجسد، وبسط الجاه، وكثرة الولد، والزوجة الحسنة وأمثال هذا؛ فهذه النعمة مشتركة بين البر والفاجر والمؤمن والكافر، وإذا قيل لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو حق، فلا يصح إطلاقًا السلب والإيجاب إلا على وجه واحد. وهو أن النعم المقيدة لما كانت استدراجًا للكافر ومآلها إلى العذاب والشقاء فكأنها لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت