فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 420

تكن نعمة وإنما كانت بليّة، كما سماها الله تعالى في كتابه كذلك فقال جل وعلا: (فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا ... الآية) (الفجر:15 - 17) . أي: ليس كل من أكرمته في الدنيا ونعمته فيها قد أنعمت عليه، وإنما كان ذلك ابتلاء مني له واختبارًا، ولا كل من قدرت عليه رزقه فجعلته بقدر حاجته من غير فضل أكون قد أهنته، بل أبتلي عبدي بالنعم كما أبتليه بالمصائب.

فإن قيل: فكيف يلتئم هذا المعنى ويتفق مع قوله: (فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) فأثبت الإكرام ثم أنكر عليه قوله: (رَبِّي أَكْرَمَنِ) ، وقال: (كَلَّا) . أي: ليس ذلك إكرامًا مني وإنما هو ابتلاء؛ فكأنه أثبت «له» الإكرام ونفاه؟

قيل: الإكرام المثبت غير الإكرام المنفي، وهما من «جنس» النعمة المطلقة والمقيدة؛ فليس هذا الإكرام المقيد بموجب لصاحبه أن يكون من أهل الإكرام المطلق.

وكذلك أيضًا إذا قيل: إن الله أنعم على الكافر نعمة مطلقة ولكنه رد نعمة الله وبدَّلها؛ فهو بمنزلة من أُعْطِيَ مالًا يعيش به فرماه في البحر كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم:28) ، وقال تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (فصلت:17) .

فهدايته إياهم منةٌ عليهم، فبدَّلوا نعمته وآثروا عليها الضلال. فهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ وأكثر اختلاف الناس من جهتين:

إحداهما: اشتراك الألفاظ وإجمالها، والثانية: من جهة الإطلاق والتفصيل ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت