تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الإسراء:36) .
يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى: « ... وقد قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات. فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها؛ فمنها يدخل العدو فيجوس خلال الديار ويتبر ما علا تتبيرًا ...
فأما اللحظات: فهي رائدة الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج؛ فمن أطلق بصره أورد نفسه موارد المهلكات ... ومن آفات النظر أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات ... وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات ...
وأما الخطرات: فشأنها أصعب؛ فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه، ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بالخطرات قادته قهرًا إلى الهلكات ....
وأما اللفظات: فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه؛ فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوت بها كلمة أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه. وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى ...