الناس، حتى إذا قلت: هَدأت العيون وَثَبَ فدخل غَيْضَة قريبًا منا، فدخلت على أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت في شجرة فتراهُ التفت أو عَدَّهُ جَرْوا؟ فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم، ثم قال: أيها السبع، اطلب الرزق في مكان آخر. فولَّى وإن له لزئيرًا، أقول: تصدّع الجبال منه. قال: فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة؛ قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عالم.
وقال يونس بن عبيد: إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير، ما أعلم أن في نفسي منها واحدة.
وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إليّ ...
وذُكِرَ داود الطائي عند بعض الأمراء، فأثنوا عليه، فقال: لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذلَّ لنا لسان بذكر خيرٍ أبدًا.
وقال أبو حفص: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته؛ كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها.
فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء، فهي تجرى بطبعها في ميدان المخالفة.
فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج من رقها؛ فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتًا لها.