يعني تقايس بين ما مِنَ الله وما منك. فحينئذ يظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته، أو الهلاك والعطَب.
وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب، والعبد عبد. ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها، وعظمة جلال الربوبية، وتفرد الرب بالكمال والإفضال، وأن كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. وأنت قبل هذه المقايسة جاهل بحقيقة نفسك، وبربوبية فاطرها وخالقها؛ فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر، وأساس كل نقص، وأن حَدَّها: الجاهلة الظالمة، وأنه لولا فضل الله ورحمته بتزكيته لها ما زَكَتْ أبدًا. ولولا هداه ما اهتدت. ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصول إلى خير ألبتة. وأن حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها، وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده؛ فكما أنها ليس لها من ذاتها وجود، فكذلك ليس لها من ذاتها كمال الوجود. فليس لها من ذاتها إلا العدم - عدم الذات، وعدم الكمال - فهناك تقول حقًا: (أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي) (19) » (20) .
ويقول في نفس الموطن: «فكم من مُسْتَدْرَج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه! وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح. ذلك مبلغهم من العلم.
فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه يجمعه على الله فهو نعمة حقيقة. وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة، والمحنة في صورة المنحة. فليحذر فإنما هو مستدرج. ويميز بذلك أيضًا بين المنة والحجة؛ فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى!.
فإن العبد بين منة من الله عليه، وحجة منه عليه، ولا ينفك عنهما ...