من العنف والعمق في الإيحاء. وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وإيحاءاته، فيرسم المشهد كأنما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر.
(أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) .. كيف تدب الحياة في هذا الموات؟
(فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) . لم يقل له كيف، إنما أراه في عالم الواقع كيف! فالمشاعر والتأثرات تكون أحيانًا من العنف والعمق بحيث لا تعالج بالبرهان العقلي، ولا حتى بالمنطق الوجداني، ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان. إنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلئ بها الحس، ويطمئن بها القلب، دون كلام!
(قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) .. وما يدريه كم لبث والإحساس بالزمن لا يكون إلا مع الحياة والوعي؟ على أن الحس الإنساني ليس هو المقياس الدقيق للحقيقة؛ فهو يخدع ويضل؛ فيرى الزمن الطويل المديد قصيرًا لملابسة طارئة؛ كما يرى اللحظة الصغيرة دهرًا طويلًا لملابسة طارئة كذلك!
(قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) .. وتبعًا لطبيعة التجربة، وكونها تجربة حسية واقعية، نتصور أنه لا بد كانت هنالك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام. هذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعام الرجل ولا شرابه، فلم يكونا آسنين متعفنين:
(فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) .. وإذن فلا بد أن هذه الآثار المحسوسة كانت متمثلة في شخصه أو في حماره: