(وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) .. أية عظام؟ عظامه هو؟ لو كان الأمر كذلك - كما يقول بعض المفسرين إن عظامه هي التي تعرَّت من اللحم - للفت هذا نظره عندما استيقظ، ووخز حسه كذلك، ولما كانت إجابته: (لبثت يومًا أو بعض يوم) .
لذلك نرجح أن الحمار هو الذي تعرَّت عظامه وتفسخت. ثم كانت الآية هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعضها، وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن؛ ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد؛ وليدرك الرجل كيف يحيى هذه الله بعد موتها!
أمَّا كيف وقعت الخارقة؟ فكما تقع كل خارقة! كما وقعت خارقة الحياة الأولى؛ الخارقة التي ننسى كثيرًا أنها وقعت، وأننا لا ندري كيف وقعت! ولا ندري كذلك كيف جاءت إلا أنها جاءت من عند الله بالطريق الذي أرادها الله ...
ونعود إلى خارقة القرية لنسأل: وما الذي يفسر لنا أن ينال البلى شيئًا ويترك شيئًا في مكان واحد وفي ظروف واحدة؟ إن خارقة خلق الحياة أول مرة، أو خارقة رجعها كذلك لا تفسر هذا الاختلاف في مصائر أشياء ذات ظروف واحدة.
إن الذي يفسر هذه الظاهرة هو طلاقة المشيئة؛ طلاقتها من التقيد بما نحسبه نحن قانونًا كليًا لازمًا ملزمًا لا سبيل إلى مخالفته أو الاستثناء منه! وحسباننا هذا خطأ بالقياس إلى المشيئة المطلقة؛ خطأ منشؤه أننا نفرض تقديراتنا نحن