وهذه حال كثير من الفلاسفة والملاحدة الذين كفروا بالله تعالى، وبما جاء من عنده سبحانه على لسان رسله عليهم الصلاة والسلام؛ فما وجدوا إلا التيه والضلال والحيرة والاضطراب، ولما وصفوا لأنفسهم شريعة من صنع عقولهم جاءوا بالظلم والتخبط والتناقض والشقاء لأنفسهم وللبشرية التي حكموها بهذه النظم. وما ذاك إلا أنهم اقتحموا أمورًا لا قبل لهم بها، ولا قدرة لعقولهم على إدراكها، وهذه نتيجة حتمية للغرور بالعقل، وعزله عن الوحي، أو جعله حكمًا على الوحي ومقدمًا عليه عياذًا بالله تعالى.
وهذا الغرور بالعقل والوثوق المطلق به أفرز خللًا كبيرًا في التفكير عند أهله، فنشأت منه المدارس الفكرية المادية الملحدة. وفي داخل دائرة الإسلام أفرزت مدارس المعتزلة في تاريخهم الطويل. وفي عصرنا الحاضر نشأت هذه المدارس التي تسمي نفسها تارة بالعقلانية، أو العصرانية، أو التنويرية، وغيرها من المدارس التي بعضها يخرج بمذهبه عن الإسلام، وبعضها يخرج عن دائرة أهل السنة؛ حسب المقاصد المختلفة لأهل هذه الأهواء.
والنظرة السليمة للعقل وتفكيره التي تقيه الخلل والاضطراب هي نظرة أهل السنة والجماعة التي تصدر عن الكتاب والسنة الصحيحة وفهم الصحابة. وهذه النظرة تتميز بكونها وسطًا بين الذين غلوا في العقل وعظموه وأدخلوه في غير مجاله، وظنوا أنه يمكن أن يقدم على النقل، وأوَّلوا الآيات بما يوافق عقولهم، وردوا الأحاديث الصحيحة بزعم مخالفتها للمعقول، وبين الطرف المقابل لهؤلاء؛ وهم الذين وقعوا في الطرف المناقض حتى للعقل الفطري البدهي؛ فابتعدوا عن تعليل الأحكام الشرعية وإظهار الحكمة فيها، أو قبلوا بالخرافات والأساطير المصادمة لبدهية العقول. وكلا الطرفين ابتعدا عن منهج أهل السُّنة. وهدى الله السلف وأتباعهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه؛ حيث أعطوا العقل مكانته اللائقة به ولم يعارضوا به النصوص، وإنما وجهوه